التحفة الأدبية خطبة واصل ابن عطاء التي تجنب فيها حرف الراء

أكتوبر 16th, 2008 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

التحفة الأدبية خطبة واصل ابن عطاء التي تجنب فيها حرف الراء

109ima

سبب الخطبة:

كان واصل ابن عطاء قد دعي لإلقاء خطبته على الملأ في حفل جامع ضم صفوة القوم، أقامه والي العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز. فقد حضر المجلس سادة المفوهين والبلغاء، وفي طليعتهم ثلاثة من أعلام الخطابة وأرباب الفصاحة، هم خالد بن صفوان وشبيب بن شيبة والفضل بن عيسى. وشرع كل واحد يلقي خطبته، وكان واصل بن عطاء أخرهم، فارتجل خطبته العتيدة وسط دهشة الحاضرين وإعجابهم.

خطبة واصل ابن عطاء التي جانب فيها حرف الراء:

“الحمد لله، القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلق على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعدّ له اصطناعاً، فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدلّ على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته. وذلّ كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا مثيل لـه، إلهاً تقدست أسماؤه وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يُعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية، وصدق طوّية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى خلقه بالبينات والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيله، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضياً على سنته، موفياً على قصده، حتى أتاه اليقين. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل وأعلى، صلاة صلاّها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد.

أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، فأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معادٍ. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول. فكم عاينتهم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلواً، ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدّوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد. قبضتهم بمخلبها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقاً، ومن العز ذلاً، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا تعاين إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم أحداً ولا تسمع لهم نبساً.

فتزودوا عافاكم الله فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين كتاب الله، الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تهتدون.

أعوذ بالله القوي، ومن الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم. بسم الله الفتاح المنان. قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، وبالآيات والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم. وأدخلنا جنات النعيم. أقول ما به أعظكم، وأستعتب الله لي ولكم.

أصداء الخطبة:

كان لخطبة واصل بن عطاء، فيما تروي لنا كتب الأدب والأخبار، دوي في أوساط الشعراء والمتأدبين، وتعدت هؤلاء إلى سائر الناس. وكان ذلك اليوم بمنزلة المباراة بين خطباء العصر، وقد تفوق واصل عليهم جميعاً.

 وكما قال الجاحظ: “كان واصل مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم”.

وما يجدر قوله إن أهمية خطبة واصل التي جانب فيها الراء لا تنبع من مضمونها ومعطياتها المعرفية والدينية فقط. إنها على هذا الصعيد خطبة كسائر الخطب المعهودة في عصر الراشدين والأمويين، وفيها شبه كبير بخطبتي عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك…غير أن أهميتها تتجلى في بنيتها اللفظية وسمتها الأسلوبية، وكونها مرتجلة تدل على اقتدار صاحبها في امتلاك ناصية اللغة، وتمكنه من معطياتها التعبيرية، من قوة بديهة وحسن أداء… وكل ذلك أكسبها قيمة فنية وقيمة تاريخية، بحيث غدت قطعة نثرية بالغة الطرافة والتفرد في الأدب العربي.

وقد نجم عن خطبة واصل كثير من منظوم الكلام ومنثوره، لم يخرج في جملته عن مشاعر الإعجاب والتقدير. من مثل وصف الشاعر صفوان الأنصاري ما حدث في ذلك اليوم المشهود إذ قال من قصيدة:

فسائل بعبد الله في يوم حفله

 

وذاك مقام لا يشاهده وغد

أقام شبيب وابن صفوان قبله

 

بقول خطيب لا يجانبه القصد

وقام ابن عيسى ثم قفاه واصل

 

فأبدع قولاً، ما له في الورى ند

فما نقصته الراء إذ كان قادراً

 

على تركها، واللفظ مطرد سرد

ففضل عبد الله خطبة واصل

 

وضوعف في قسم الصِّلات له الشكد

ويعد بشار بن برد في طليعة المادحين لواصل والمشيدين بنبوغه، وذلك بطبيعة الحال قبل أن يختلف معه في مسائل. فقد أفعمت نفس بشار إعجاباً بواصل، ونظم أشعاراً عديدة ينوه فيها بفضله ويعلي من بداهته وقدرته على الارتجال، ومفضلاً إياه على أنداده:

المزيد


عباس محمود العقاد يكتب ذات الله

أكتوبر 7th, 2008 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

عباس محمود العقاد يكتب ذات الله

 122338

إذا كان الكمال المطلق يشمل علي الحكمة المطلقة والجمال المطلق والخير المطلق والإرادة المطلقة فهل يكون ذلك إلا لحكمة جميل القول بالذات لإلهية يبطل القول بوحدة الوجود كما يبطل القول بأن الله معني لاذات له أو قوة غير واعيه.

الله ذات واعية

فلا يجوز في العقل ولا في الدين أن تكون له حقيقة غير هذه الحقيقة، وأن يوصف بأنه معني لا ذات له أو قوة لا واعي لها كما وصف في بعض المذاهب النسكية- كمذهب البوذي- الذي تفرعن البرهية، ولا يخرج الباحث من مراجعته علي وصف مستقر للمعني الذي أرادوه.

 

والكلمة العربية التي تعبر عن هذه الحقيقة- وهي كلمة الذات- أصح الكلمات التي تقابلها في لغات الحضارة الغربية أو الشرقية المعروفة، لأنها تمنع كثيراً من اللبس الذي يتطرق إلي الذهن من نظائر هذه الكلملة في اللاتينية ومشتقاتها.

فكلمة برسون تدل علي «الشخص» وهو يوحي إلي الذهن صورة شاخصة للعيان، وأصله من برسونا persuna أو النقاب الذي كان الممثلون يلبسونه ويستعيرون به علي المسرح وجوده أبطال الرواية أو وجوده بعض الأحياء العجماء التي لها دور في الرواية. ثم أطلقوا الكلمة علي الأشخاص الممثلين في عقد من عقود الاتفاق، فيقال إن الاتفاق معقود بين شخصين أي بين طرفين، ويقال إن هذا «شخص» في الموضوع أي طرف له صفة في الموضوع.. ومن هنا أصبحت كلمة الأغراض الشخصية مرادفة للأغراض المتحيزة أو التي تنحرف عن النزاهة والاستواء.

ومن العسير أن يطلق الفيلسوف هذه الكلمة علي الذات الإلهية إلا وهو يشعر شائبة فيها تتنزه عنها فكرة الكمال المطلق والإله المتعالي علي صفات «الشخوص»والأشباه.

وكلمة substance مأخوذة من كلمة substane وهي مركب مزجي من كلمةsub بمعني تحت وكلمة stare بمعني يقف، والمراد بها الراسب الذي يستقر تحت السائل ويبقي هناك، كأنهم عبروا بها عن الجوهر لأن يبقي بعد زوال الأعراض ولأن العرب يذهب جفاءً ويمكث الجوهر في مكانه، ثم استعاروها للماهية وهي حقيقة الشئ الباقية، ثم استعاروها «للذات»لأنها جوهر لا يتجزأ بتجزؤ الأعراض.

فإذا أطلقت هذه الكلمة فالذهن ينصرف لا محالة إلي الماهية والجوهر والذات ويجعل لها حكماً واحداً في التصور والتقدير، فيستدق عليه الفارق بين المقصود بالذات والمقصود بالجوهر والماهيات.

أما كلمة الذات باللغة العربية فلا تستلزم التشخيص في الحقيقة ولا في المجاز، ولا تقتضي نزاهتها عن التشخيص أنها معني بغير كيان مشتمل علي الوعي والصفات الواعية. فهي تدل علي الجوهر الذي تضاف إليه الأوصاف وتدل علي الكائن الذي يملك صفاته فهو «ذو» تلك الصفات. ولا تعارض صفة الوعي والإرادة والاستقلال بالكيان.

وإذا قلنا إن «الكمال المطلق» ذات لم نشعر بما يوميء إلي التناقص بين صفة الكمال الذي لا حدود له وصفة «الشخص» أو المادة المستقرة بعد رسوب.

وعلي خلاف ذلك نعدد صفات الكامل المطلق الكمال فلا نستطيع أن نفهم بداهة أن هذه الصفات الموجودة تكون لغير ذات. فإن كان الكمال المطلق يشتمل علي الحكمة المطلقة والجمال المطلق والخير المطلق والإرادة المطلقة فهل يكون ذلك إلا لحكيم جميل خير مريد؟ وهل يكون الحكيم الجميل الخير المريد معني عاماً بغير ذات؟

قال شكسبير في روميو وجوليت: ماذا في اسم؟.. ثم قال إن الوردة تفوح عطراً ولوسميت بغير ذلك من الأسماء.

ولكن الواقع أن في الاسم كثير من الإيحاء حتي في عقول الفلاسفة، ومن إيحاء كلمة «الشخص» أنها حملت بعض الفلاسفة علي التفرقة بين صفات الكمال المطلق وصفات «الذات» الالهية، لأنهم أخطروا في بالهم الشخوص وأخطوروا معها الحدود، ففرقوا بين الكائن المطلق الكمال وبين الكائن الذي له حدود.

ومن هنا ـ وهم بعض الفلاسفة الأوروبين ـ أن الكمال المطلق  apsuluteمعني من المعاني يتعارض مع «الذاتية»… لأن الذاتية عندهم لا تكون بغير حدود.

أما كلمة «الذات» العربية فلا توحي إلي الذهن التبة معني له حدود، بل يستوجب الكمال المطلق أن يكون مالكاً لكل شيء، وأن يكون «ذاتا» في لفظه وفي معناه.

والكمال المطلق يحتوي كل موجود، و «الذات» الإلهية تعبر عن هذا المعني أصح تعبير.فالعقل يستلزم أن يكون الكمال المطلق «ذاتا» وتتطلب كائناً «كاملاً» يوصف بالكمال، وينكر أن يجعله معني خالياً من الوعي. لأن نقص الوعي نقص من الكمال ونقص من صفات الكامل الذي لا يعاب.. !وأعجب الصور العقلية حقاً وجود يتصف بكل كمال ولا يعلم أنه كامل… والعلم بالذات فضلاً عن العلم بالغير أول صفات الكمال!

أما الدين فلا يستقيم بغير إله تتصل به المخلوقات ويتقبل منها الحب والرجاء ويستمع لها استماع العالم المريد.

ولا نعتقد أن دينا من الأديان قط دان به الإنسان وهو في قرارة نفسه مجرد من فكرة «الذات الإلهية» كل التجريد.

فالبرهمية، وقد ذاع عنها أنها دين بغير إله، مملوءة بأسماء الأرباب والشياطين والملائكة والأرواح، وعقيدتها الكبري قائمة علي الثالوث المؤلف من برهما

المزيد


فخر خوارزم المُفسر المظلوم: الإمام

مايو 21st, 2008 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي, فكر المعتزلة أهل العدل والتوحيد

فخر خوارزم المُفسر المظلوم: الإمام الزمخشري
 
353121
الإمام العلامة، والبحر الفهامة، الطود الأشم، والبحر الخضم، إمام المفسرين، ورئيس اللغويين جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوازمي الزمخشري.
 
 مولده
 
 ولد بزمخشر من قرى خوارزم يوم الأربعاء 27 رجب 467هـ، في عهد السلطان أبي الفتح ملكشاه.
 
نشأته
 
 كان السلطان أبو الفتح قد شجع على العلم ووسع على العلماء، فنشأ الزمخشري في هذه الفترة وتلقى العلم على أكابر علماء بلده، رحل إلى بخارى وفي طريقته سقط عن دابته فانكسرت رجله ثم بترت، فكان يتخذ رجلا من خشب، وقد سقطت من الثلج .
 
ولم تحفل المصادر التاريخية بالحديث عن أسرة الزمخشري، وما كانت تتصف به، والمعيشةالتي كانت عليها. فغاية ما ذكر أن والده كان إماماً بقرية زمخشر. ويورد عدد منالمصادر ذكراً سريعاً لأمه مرتبطا بحادثة يرويها الزمخشرى نفسه. ونستدل من هذهالأخبار أنها امرأة ورعة تقية. ولو حاولنا أن نتعرف إلى أسرة الزمخشري أكثر، نجدأنه قد أورد ذكراً لأسرته في أشعاره. ومنها نذكر هذين البيتين اللذين قالهماالزمخشري مستغفراً الله من الخمر:

أستغفر الله أنني قد نُسِبتُ بها ولمأكن لمحياها بذَوَّاقِ
ولم يذقْها أبي كَلاّ ولا أحدٌ من أسرتيواتِّفاق الناس مصداقي

 
من الشعر السابق يظهر أن الزمخشري ينتمي إلى أسرةذات دين وتقوى وورع، فقد كانت بعيدة عن مثل هذه المحرمات التي يستغفر الزمخشريمنها.

وكان للزمخشري ألقاب عدة أطلقها عليه المؤرخون وكتّاب السّير. وقدغلب عليه لقب جار الله ، فكان يُلقَّب به، ويُذكر معه حيثما ورد له ذكر. وقداتفقت المصادر المتعددة على أن إقامة الزمخشري في مكة مجاوراً البيت الحرام، كانتسبباً في إطلاق هذا اللقب. وقد ذكر ابن خلكان أن اللقَب كان علماً عليه.

وقد ارتبط بالزمخشري لقب آخر، وهو فخر خوارزم، وتستخدمه معظم المصادرعندما تشرع بالحديث عنه. ولعل إطلاق هذا اللقب على الزمخشري راجع إلى المكانةالعلمية الجليلة التي كان يتمتع بها.

 
 تتلمذ على محمد بن جرير الضبي الأصفهاني النحوي المعتزلي، ثم رحل إلى خراسان وأصفهان وبغداد وفيها التقى بالإمام الدامغاني الفقيه الحنفي، وسمع بغداد من نصربن البطر وبالشريف ابن الشجري، وتخرج به أئمة، ثم سافر إلى مكة وجاور بها زمانا، فلقب بـ(جارالله) وبها لقي رعاية من الأمير عُلَيّ بن عيسى بن وهاس العلوي الزيدي، وقرأ كتاب سيبويه على عبدالله بن طلحة اليابري، وطاف أنحاء الجزيرة واليمن، ثم رحل عن مكة إلى وطنه فمكث زمنا، ثم عاد إلى مكة وفي جواره الثاني ألف كتابه الشهير (الكشاف) ثم عاد إلى وطنه خوارزم.
 
علاقته بإمام الزيدية:
 
ويحكي الزمخشري علاقته بالأمير فيقول فلما حططت الرحل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية من الدوحة الحسنية الأميرالشريف الامام شرف آل رسول الله أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس أدام الله مجده وهو النكتة والشامة في بني الحسن مع كثرة محاسنهم وجموم مناقبهم أعطش الناس كبداوألهلهم حشى واوفاهم رغبة حتى ذكر انه كان يحدث نفسه في مدة غيبتي عن الحجاز معتزاحم ما هو فيه من المشادة بطع الفيافي وطي المهامة والوفادة علينا بخوارزم ليتوصل الى إصابة هذا اغرض فقلت قد ضاقت على امستعفى الحيل وعيت به العللورأيتني قد اخذت مني السن وتقعقع الشن وناهزت العشر التى سمتها العرب دقاقة الرقابفأخذت في طريقة اخصر من الأولى مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائرووفقه الله وسدده ففرغ منه في مقدار مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عهنه وكانيقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة
 
قال الزمخشري في عُلي ابن وهاس العلوي إمام الزيدية و فضله عليه حين مقامه هناك :
 
     بمكةَ آخيتُ الشريفَ و فتيةً   
                          تـُـوَالِيْهِ من آل النبي غطارفا
    يُتابعُ إنْ نُوظِرْتُ ردءاً لشاغبٍ    
                         و ينهضُ إنْ ذُوكِرْتُ رِدْءَاً مُكاتِفاً 
    متى أقبلَ العلاَّمةُ انتفضوا لهُ   
                      و حَيَّوْهُ ، حيَّا اللهُ تلك المــعارفا
    و كان ابن وهاس لجنبي فارشاً    
                        كما تفعلُ الأمُ الحــفيةُ  لاحفا
    و تـمَّ ليَ الكشاف ثمَّ ببلدةٍ  
                              بها هبط التنـزيل للحق كاشفا
   على باب أجياد بنى لي منزلاً  
                              كركن شمام  بالصفا  متواصفا
   و أنفق في إتمامه  من تلادِهِ    
                               ثقيلات وزنٍ  في البلاد  خفائفا
 
  مولد الكشاف :
 
    الدار التي ألف فيها الزمخشري كشافه،  تعرف بـ الدار السليمانية ، فقد ورد في إحدى نسخ كتاب الكشاف ما نصه : في أصل المصنف بخطه رحمه الله : و هذه النسخة هي نسخة الأصل التي نقلت من السواد … ، و هي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تسنتزل بها بركات السماء، ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة ، ضحوة يوم الاثنين 23 ربيع الآخر عام 528 … . أهـ [1].
 
    و يبدو أن منزل الزمخشري كان ملتصقاً بأصل الدار السليمانية، و أنها كالمرفق الجديد، و لهذا قال فيها : جناح داره ، و ظاهر تسميتها بالسليمانية يدل على نسبتها إلى بني سليمان، و هم رهط و قبيل ابن وهاس، فلعلها من أوقاف آله، أو مما ورثه من آبائه أيام إمارتهم . 
 
 و تبادل ابن وهاس و الزمخشري أبيات المديح، فكان الزمخشري يقول:
 
        خليليَّ من أعلى تهامة  أنجدا     
                            أخاً كان غوريَّ الهوى ثم أنجدا
    أخالكما إن تسعدا ببكاكما     
                           أخاً لكما صباً تفوزا  و تسعدا
 
    إلى أن يقول :
     و لا كابن وهاس فتىً ضمَّ بُردُه    
                           حـساماً و ضرغاماً و أخضر مزبدا
     فتىً هو حاوٍ للمعاني  بأسـرها      
                         و قد جلبت منه المعالي بأوحــدا
     عُلاً حسنيات سنيات أنبتــت    
                          له بيت مجد في السناء مشـــيدا
     نجيبٌ نمته من ذؤابة هاشـــم     
                         نصاباً كفاه  بالنبوة محتـــــدا
 
يقول في الترحال والهجرة:
 
في الجزء الثالث من الكشاف بذيل الآية السادسة والخمسين من سورة العنكبوت: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) يقول: ((معنى إن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يحب فليهاجر إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً وأصح ديناً وأكثر عبادة وأحسن خشوعاً. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرب أولونا فلم نجد ـ فيما درنا وداروا ـ أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب الملتفت وأضم للهم المنتشر وأحث على القناعة واطرد للشيطان وأبعد من كثير الفتن واضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب ورزق من الصبر وأوزرع من الشكر. وعن النبي (ص): ((من فر بدينه من أرض إلى أرض ـ وإن كان شبراً من الأرض ـ استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد…).
 
بعض من قابلوه:
 
ذكر التاج الكندي أنه رأى الزمخشري على باب الإمام أبي منصور بن الجواليقي، وقال الكمال الأنباري لما قدم الزمخشري للحج، أتاه شيخنا أبو السعادات بن الشجري مهنئا بقدومه، قائلاً:
 
كانَتْ مُسَاءَلَةُ الرُّكْبَانِ تُخْبِرُنِي عنْ أحمدَ بنِ عليٍّ أطيبَ الخَبرِ
حتّى التَقَيْنا فلا واللهِ ما سَمِعَتْ   أُذْنِي بأحْسنَ مِمَّا قَدْ رَأَي بَصَرِي
 
 
 وأثنى عليه ، ولم ينطق الزمخشري حتى فرغ أبوالسعادات، فتصاغر له، وعظمه، وقال : إن زيد الخيْلِ دخل على رسول الله -صلى اللهعليه وسلم- ، فرفع صوتَه بالشهادتين، فقال له : يا زيد كلُّ رجلٍ وُصِفَ ليوَجَدْتُهُ دُونَ الصِّفَةِ إلاَّ أنتَ، فإنَّك فوقَ ما وُصِفْتَ. وكذلك الشريفودعا له وأثنى عليه .

روى عنه بالإجازة أبو طاهر السلفي ، وزينب بنتالشعري،وروى عنه أناشيد إسماعيل بن عبد الله الخوارزمي، وأبو سعد أحمد بنمحمود الشاشي، وغيرهما.
 
قال السمعاني : أنشدنا إسماعيل بن عبد الله ، أنشدني الزمخشري لنفسه يرثي أستاذه مُضر النحوي:
 
وقَائِلَـةٍ ما هذه الدُّرَرُ التِي         تُسَاقِطُهَا عَيْنَاكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ
فَقُلْتُ هو الدُّرُّ الذي قَدْ حَشَا بهِ    أبُو مُضَرٍ أُذْنِي تَسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي
 
ثناء المؤرخين عليه:
 
كان الزمخشري يتمتع بمكانه علمية مرموقة أوجدتها له متابعته الحثيثة للعلم واهتمامهبه سواء أكان في مرحلة طلب العلم أم في إعطائه للآخرين، ويشهد على مكانته العلميةالكبيرة تعدُّد المجالات العلمية التي نبغ فيها، وقد حرص أكثر الذين ترجموا لهعلى ذكر المجالات التي أبدع فيها، وذكروها ملازمةً له. فالذهبي يذكر أنَّالزمخشري كان رأساً في البلاغة والعربية.

قالالسمعاني : برع في الآداب، وصنف التصانيف، وَرَدَ العراق وخراسان، ما دخل بلداإلا واجتمعوا عليه، وتلمذوا له، وكان علامة نسابة، جاور مدة حتى هبت على كلامهرياح البادية.
 
وقال السيوطي في العالِم الشامخمحمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشر، كان واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة،متفنِّناً في كل علم، معتزلياً قوياً في مذهبه، مجاهراً به حنيفياً.

ويذكر صاحب كتاب ــ الجواهر المضيئة ــعندما شرع في ترجمة الزمخشري قال عنه الإمام الكبير المضروب به المثلفي علم الأدب ، وعلى الرغم من إعراض ابن حجر العسقلاني عن الزمخشري لميله إلىالاعتزال ، فإنَّه أشاد به ، فيذكر أنَّ الزمخشري كان في غاية المعرفة بفنونالبلاغة وتصرُّف الكلام.

وقد أعلى ياقوت الحموي من قدر الزمخشري ،فعدَّه إماماً في التفسير والنحو واللغة والأدب ، وأنه واسع العلم ، كبير الفضل ،متفنِّن في علوم شتى، وللمكانة العلمية العالية التي لمحها ياقوت الحموي فيالزمخشري نجده يطلق عليه فَخْرَ خوارزم حيثما ورد ذكره في كتابه.

وينتصر صاحب كتاب ــ تاج التراجم ــ إلى الزمخشري ويرفع من شأنه ،فيبتدئ ترجمته له بقوله: إمام عصره بلا مدافعة.


وأشاد ابن خلكان بمكانةالزمخشري العلمية ، فذكر بأنَّه الإمام الكبير في التفسير ، والحديث ، والنحو ،واللغة ، وعلم البيان ، وأنَّه كان إمام عصره من غير مدافعة. ويذكر ابن خلكانفي موضع آخر من كتابه بأنَّ الزمخشري كان من أعلم فضلاء العجم بالعربية في زمانه، وهذا صاحب ــ كتاب الوشاح ــ يقول عنه : أستاذ الدنيا ، فخر خوارزم ، جار الله ،العلامة أبو القاسم محمود الزمخشري من أكابر الأمة ، وقد ألقت العلوم إليه أطرافالأزمة.

وامتدح الكثيرون سعة علم الزمخشري وإتقانه للعلم، فالسيوطييذكر أنَّه واسع العلم، كثير الفضل، غاية في الذكاء، وجودة القريحة، متفنناً فيكل علم، وأشار الفيروز أبادي إلى أنَّه إمام اللغة والنحو، والبيان باتفاقجميع العلماء. وأشاد الكثيرون بما كان يتقنه الزمخشري من علوم، فذكروا عندالحديث عنه أنَّه نحوي ولغوي ومحقق وبليغ ومفسِّر وفقيه.

من هنا يظهرلنا تنبُّه المؤرخين للمكانة العلمية العالية للزمخشري، ونقلت آراؤهم عند الحديثعن حقيقة هذا العالم بما يتمتع به من قدرة كبيرة، وظهر أن الزمخشري بحق موسوعيالمعرفة والثقافة. وهذا ما ظهر في كثرة نتاجه العلمي. فالزمخشري صاحب مصنَّفات شملتجمل الثقافة المعروفة في عصره.

 
مؤلفاته:
 
ألف في كل فن، فهو إمام في التفسير، إمام في النحو، إمام في البلاغة، فقيه، شاعر،أصولي،أديب، يظهر ذلك في كتبه، وقد أشرنا سابقاً إلى المكانة العلمية التي كانت للزمخشري،وقد كان من أبرز مظاهر هذهالمكانة كثرة نتاج الزمخشري ومصنفاته المتخصصة، فهذه الكثرة في مؤلفاته تعكس بلا شكجانباً مهما ً من سعة معرفته وعلمه.
 
 وقد شملت المؤلفات التي خلفها الزمخشري جملالنشاط الثقافي وعناصر الثقافة التي كانت سائدة في عصره، وأشاد الكثير من أصحابالتراجم الذين ترجموا الزمخشري بمصنفاته . فنراهم عند الشروع بالترجمة يذكرون أنهصاحب التصانيف البديعة، أو يقولون أنه صاحب المصنفات المشهورة ، أويذكرون أنه صنف كتباً حسنة.

وذكرت أغلب المصادر مصنفات الزمخشري والحديثعنها . وقد ذكر له المترجمون أكثر من خمسين مؤلفاً في موضوعات شتى، وأورد صاحبكتاب كشف الظنون أكثر مؤلفات الزمخشري، وأورد جزءاً من مقدماتها وخواتيمها.

برز الزمخشري في علوم شتى، وكانت له مؤلفات متعددة قيمة، فقد صنّففي جوانب مختلفة من العلوم الدّينية، واللغوية، والنحوية، والأدبية، والبلاغيةوغيرها. ومن مؤلفاته على سبيل المثال لا الحصر أذكر :


(تفسير الكشاف المسمي بالكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، (المحاجاة بالمسائل النحوية) و( المفرد والمركب في العربية).
 
 و(الفائق في تفسير غريب الحديث) واختلفت المصادر في اسم هذا الكتاب.فذكره صاحب هدية العارفين باسم، الفائق وشيمالرائق في غريب الحديث، وأورده صاحب كتاب الجواهر المضيئة باسم غريب الحديث، أمَّا صاحب كتاب تاج التراجم فأورده باسم الفائق فيتفسير الحديث، ورتَّب الزمخشري هذا الكتاب حسب حروف المعجم ، وكشففيه عن غريب الحديث، فشرح فيه كل كلمة غريبة اشتمل عليها الحديث.

وقدأثنى ابن حجر العسقلاني على هذا الكتاب قائلاً : وكتابه الفائق في غريب الحديث منأنفس الكتب لجمعه المتفرق في مكان واحد مع حسن الاختصار وصحة النقل

 
و (أساس البلاغة) وهو أبرز الكتب اللغوية التي خلّفها الزمخشري ، وهو معجم في اللغة العربية رتَّبهالزمخشري حسب الحرف الأول وما يليه من حروف الهجاء . وكان الزمخشري رائداً في هذاالترتيب الدقيق،ويمتاز هذا المعجم عن غيره باختصاصه بذكر الاستعمالاتالمجازية للكلمة في مواضعها من الجمل إلى جانب معناه الحقيقي. لهذا فهو مليء بأبياتالشعر والعبارات الأدبية لتوضيح معاني الكلمات في استعمالاتها المختلفة.
 
 و (ربيع الأبرار وفصوص الأخبار) و( متشابه أسامي الرواة) و ( النصائح الكبار) و ( النصائح الصغار) و (ضالة الناشد في علم الفرائض) و (المفصل في النحو) و (الأنموذج في النحو) و (المفرد والمؤلف في النحو) و (رؤوس المسائل في الفقه) و (شرح أبيات كتاب سيبويه)
 
 و(المستقصى في أمثال العرب) كتاب في الأدب العربي متخصص بالأمثال العربية جمع فيه مصنفهالزمخشري ما يزيد على 1500 مثل عربي، وهو لا يتناول القصص التي تتعلق بالأمثالولذلك يعد هذا الكتاب من أهم ما ألف في هذا الموضوع، ورتب فيه الأمثلة ترتيباألفبائيا على حروف الهجاء.
 
و(صميم العربية) و (سوائر الأمثال) و (ديوان التمثيل) و (شقائق النعمان في حقائق الكلام) و (شافي العي من كلام الشافعي) و (القسطاس في العروض) و (المنهاج في أصول الدين).
 
 وقال ابن خلكان له (الفائق في غريب الحديث) ، و (ربيع الأبرار)، و (أساس البلاغة) : وفي هذا الكتاب المعجم يأتي بالمعنى ويقول: معناه كذا والمجاز منه كذا، ويأتي بعدة معاني يجعلها مجازية، ويجعل معنى واحداً هو الأصل.
 وكتاب (مشتبه أساميالرواة)، وكتاب (النصائح)، و (المنهاج في الأصول)، و (ضالة الناشد)، کتاب (الامکنه والجبال والمياه، في الجغرافيا).
 وكتاب (شرح مقامات الزمخشري): وهو كتاب تصدى فيه الزمخشري لشرح مقاماته شرحاً مفصلاً تعرض فيه للغة والبلاغة ،واستشهد بكثير من آيات القرآن الكريم، والحديث النبوي، وشعر العرب، وأمثالهموأخبارهم، وينقسم هذا الكتاب إلى مجموعة من المقامات التي ألفها الزمخشري مثل: مقامة المراشد، الرضوان، الزاد، الذهن، الخشية… الخ.
وكتاب (أطواق الذهب في المواعظ والخطب)، وهو مختصر يشتمل على مائة مقالة فيالمواعظ والنصائح والحكم ومكارم الأخلاق، كل منها في بضعة أسطر، ليست مُعنونة.

وقد نبه الأستاذ ولفريد مادلونغ في مقالة له عن الزمخشري المتكلم (مدريد 1986 في كتاب لمؤتمر هناك) إلى التأثير الكبير لآراء مدرسة أبي الحسين البصري على الزمخشري كما يبدو في هذه الرسالة.
 
 وعلينا أن نلاحظ أن الزمخشري كان حريصاً على العرض الموضوعي للآراء المختلفة دون تدخل كبير من جانبه فيها. لكنه في المرات القليلة ا

المزيد


المنفلوطي يكتب: الأدب الكاذب

فبراير 20th, 2008 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

121078

قال المنفلوطي في النظرات ج(3) ص(29) طبعة دار الثقافة:

 

 

 

 

 

الأدب الكاذب

كُنّا وكانَ الأَدَبُ حالاً قائمةً بالنَّفسِ تَمنعُ صاحبَها أَنْ يُقْدِمُ على شرٍّ، أو يُحدِّثَ نفسَه به، أو يكونَ عَوْنًا لفاعليه. فإن ساقَتْهُ إليه شهوةٌ من شهواتِ النَّفسِ، أو نزوةٌ من نزواتِ العَقْلِ، وَجَدَ في نَفسِه عند غشيانِه من المضَضِ والارتماض ما ينغّصُه عليه ويُكدِّرُ صفوَه وهناءَه.

ثُمَّ أصبحنا، وإذا الأدبُ صُوَرٌ وَرُسومٌ، وحركاتٌ وسكناتٌ، وإشاراتٌ والتِفاتاتٌ، لا دخلَ لها في جوهرِ النَّفسِ، ولا علاقة لها بشعورِها ووجدانِها. فأحْسَنُ الناسِ عند الناسِ أدبًا وأكرمُهم خُلُقًا، وأشرفهُم مذهبًا، من يكذبُ على أن يكونَ كذبُه سائغًا مُهَذَّبًا، ومن يخلفُ الوعدَ على أن يُحسِنَ الاعتذارَ عن إخلافِه، ومن يبغضُ الناسَ جميعًا بقلبِه على أن يُحبَّهم جميعًا بلسانِه، ومن يقترفُ ما شاءَ من الجرائمِ والذُّنوبِ على أن يحسنَ التَّخلُّصَ من نتائجِها وآثارِها.

وأفضلُ من هؤلاءِ جميعًا عندهم أولئك الَّذين برعُوا في فنّ (( الآداب العالية )) أي فنِّ الرِّياءِ والنِّفاقِ، وتفوَّقوا في استظهارِ تلك الصورةِ الجامدةِ التي تواضعَ عليها (( جماعة الظُّرفاء )) في التحيّة والسَّلامِ. واللِّقَاءِ والفِرَاقِ؛ والزّيارةِ والاستزارةِ، والمجالسةِ والمنادمةِ.

وأمثال ذلك مما يرجعُ العلمَ به غالبًا إلى صغرِ النَّفسِ وإسفافِها، أكثر مما يرجِعُ إلى أدبِها وكمالِها؛ فكأنَّ الناسُ لا يستنكرون من السَّيِّئَةِ إلاَّ لونَها؛ فإذا جاءَتْهُم في ثوبٍ غير ثوبِها أَنِسُوا بها وسَكَنُوا إليها؛ ولا يعجبُهم من الحسنةِ إلاَّ صُورتُها؛ فإذا لم تأتِهم في الصُّورةِ الَّتي تُعجِبُهم وتروقُهم عافُوها وزهدُوا فيها، أي أنّهم يُفضِّلون اليدَ الناعمةَ الَّتي تحملُ خِنْجَرًا، على اليدِ الخشنةِ الَّتي تحملُ بَدْرَةً، ويُؤثِرون كأسَ البلّورِ المملوءةَ سُمًّا على كأسِ الخزفِ المملوءةِ ماءً زلالاً.

ولقد سمعتُ بأُذنيَّ من أخذَ يعدُّ لرجلٍ من أصدقائِه من السيّئاتِ ما لو وُزِّعَ على الخلقِ جميعًا لَلَوَّثَ صحائِفَهُم ثمّ ختمَ كلامَهُ بقولِه : وإنّي على

المزيد


الجاحظ يكتب: مزاعم نابته العصر و مبتدعة الدهر

نوفمبر 6th, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

الجاحظ يقص علي قرائه ماحدث من خلافات منذ البداية
 
 
 121ima
 
 
 
 
 
اعلمْ، أرشد الله أمرك، أنَّ هذه الأمة قد صارت بعد إسلامها والخروج من جاهليَّتها إلى طبقاتٍ متفاوتة، ومنازل مختلفة: فالطبقة الأولى: عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعُمر رضي الله عنهما، وستُّ سنين من خلافة عثمان رضي الله عنه؛ كانوا على التوحيد الصحيح والإخلاص المخلص، مع الألفة واجتماع الكلمة على الكتاب والسنة. وليس هناك عملٌ قبيحٌ ولا بدعةٌ فاحشة، ولا نزْع يدٍ من طاعةٍ، ولا حسدٌ ولا غلٌّ ولا تأوُّل، حتى كان الذي كان من قتل عثمان رضي الله عنه وما انْتُهك منه، ومن خبْطهم إيَّاه بالسلاح، وبعْج بطنه بالحراب، وفرى أوداجه بالمشاقص، وشدْخ هامته بالعمد، مع كفِّه عن البسْط، ونهيه عن الامتناع، مع تعريفه لهم قبل ذلك من كم وحهٍ يجوز قتْل من شهد الشهادة، وصلَّى القبلة، وأكل الذَّبيحة؛ ومع ضرب نسائه بحضْرته، وإقحام الرِّجال على حرمته، مع اتِّقاء نائلة بنت الفرافصة عنه بيدها، حتى أطنُّوا إصبعين من أصابعها، وقد كشفت عن قناعها، ورفعت عن ذيلها؛ ليكون ذلك ردْعاً لهم، وكاسراً من عزمهم؛ مع وطْئهم في أضلاعه بعد موته، وإلقائهم على المزبلة جسده مجرداً بعد سحبه، وهي الجزرة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كُفواً لبناته وأياماه وعقائله؛ بعد السَّبِّ والتعطيش، والحصْر الشديد، والمنع من القوت؛ مع احتجاجه عليهم، وإفحامه لهم، ومع اجتماعهم على أنَّ دم الفاسق حرامٌ كدم المؤمن، إلا من ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل مؤمناً على عمدٍ، أو رجلٌ عدا على الناس بسيفه فكان في امتناعهم منه عطبُه؛ ومع إجماعهم على ألا يُقتل من هذه الأمة مُولٍّ، ولا يجهز منها على جريح.

ثم مع ذلك كلِّه دمروا عليه وعلى أزواجه وحُرمه، وهو جالسٌ في محرابه، ومصحفه يلوح في حجره، لن يرى أنَّ موحداً يقدم على قتل من كان في مثل صفته وحاله.

لا جرم لقد احتلبوا به دماً لا تطير رغوته، ولا تسكن فورته، ولا يموت ثائره، ولا يكلّ طالبه. وكيف يضيع دمٌ الله وليُّه والمنتقم له?! وما سمعنا بدمٍ بعد دم يحيى بن زكريا عليه السلام غلا غليانه، وقتل سافحه، وأدرك بطائلته، وبلغ كلّ محْنته، كدمه الله عليه.
ولقد كان لهم في أخْذه وفي إقامته للناس والاقتصاص منه، وفي بيع ما ظهر من رباعه وحدائقه وسائر أمواله، وفي حَبْسه بما بقي عليه، وفي طمْره حتَّى لا يُحسَّ بذكره، ما يُغنيهم عن قتله إنْ كان قد ركب كُلَّ ما قّفوه به، وادَّعوه عليه..
طبقات الناس حين مقتل عثمان
وهذا كلُّه بحضرة جلَّة المهاجرين، والسَّلف المقدَّمين، والأنصار والتابعين.ولكن الناس كانوا على طبقاتٍ مختلفة، ومراتب متباينة: من قاتلٍ، ومن شادٍّ على عضده، ومن خاذلٍ عن نصرته. والعاجز ناصرٌ بإرادته، ومطيعٌ بحسن نَّيته. وإنَّما الشّكُّ منَّا فيه وفي خاذله، ومن أراد عزله والاستبدال به. فأمَّا قاتله والمعين على دمه والمريد لذلك منه، فضُلاَّلٌ لا شكَّ فيهم، ومُرّاقٌ لا امتراء في حكمهم. على أنَّ هذا لم يَعُدْ منهم الفجور، إمَّا على سوء تأويل، وإما على تعمُّد للشَّقاء.

ثمَّ مازالت الفتن متَّصلة، والحروب مترادفة، كحرب الجمل، وكوقائع صفّين، وكيوم النَّهْروان، وقبل ذلك يوم الزَّابوقة وفيه أُسر ابن حُنيف وقتل حكيم بن جبلة.إلى أن قتل أشقاها عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه، فأسعده الله بالشهادة، وأوجب لقاتله النار واللَّعنة.

15imag

بداية الملك الوراثي العضوض

إلى أنْ كان من اعتزال الحسن عليه السلام الحروب وتخليته الأمور، عند انتشار أصحابه، وما رأى من الخلل في عسكره، وما عرف من اختلافهم على أبيه، وكثرة تلوُّنهم عليه.فعندها استوى معاوية على الملك، واستبدَّ على بقيّة الشُّورى، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين في العام الذي سَمَّوْه عام الجماعة وما كان عام جماعةٍ، بل كان عام فُرْقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحَّلت فيه الإمامة مُلكاً كسرويّاً، والخلافة غصْباً وقيصريّاً، ولم يَعْد ذلك أجمع الضَّلال والفسق.
 
ثمَّ مازالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتَّبنا، حتَّى ردَّ قضيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ردّاً مكشوفاً، وجحد حُكمه جحداً ظاهرا، في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع إجماع الأمّة أنَّ سُميَّة لم تكن لأبي سُفيان فراشاً، وأنَّه إنَّما كان بها عاهراً؛ فخرج بذلك من حُكم الفُجَّار إلى حكم الكفَّار.

وليس قتل حُجْر بن عديّ، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعته يزيد الخليع، والاستئثار بالفئء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشَّفاعة والقرابة، من جنْس جَحْد الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسُّنن المنصوبة.
وسواءٌ في باب ما يستحقُّ من الإكفار جحد الكتاب وردُّ السنة؛ إذْ كانت السنَّة في شُهرة الكتاب وظهوره، إلاَّ أنَّ أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشدّ.
فهذه أوَّلُ كفرةٍ كانت في الأمة.
ثم لم تكن إلاَّ فيمنْ يدَّعي إمامتها، والخلافة عليها.

مزاعم نابته العصر ومبتدعة الدهر
على أن كثيراً من أهل ذلك العصر قد كفروا بترك إكفاره. وقد أربتْ عليهم نابتة عصرنا، ومبتدعة دهرنا فقالت: لا تسبُّوه فإنَّ له صُحبة؛ وسبُّ معاوية بدعة، ومن يبغضْه فقد خالف السُّنَّة.فزعمت أنَّ من السُنّة ترك البراءة ممن جحد السُنَّة.
ثم الذي كان من يزيد ابنه ومن عُمَّاله وأهل نُصرته، ثم غزو مكّة، ورمي الكعبة، واستباحة المدينة، وقتل الحسين عليه السلام في أكثر أهل بيته مصابيح الظلام، وأ


المزيد


فيلسوف المغرب الجابري يكتب : قواعد وأخلاقيات الحوار عند ابن رشد

أكتوبر 11th, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

 

 185ima

لم يكن ابن رشد رجل فكر وحسب، بل كان أيضا رجل أخلاق. وهذا جانب لا يهتم به “الباحثون” المعاصرون، مع أن الذين ترجموا له أو تحثوا عنه من القدماء قد أبرزوه ونوهوا به. والحق أن ابن رشد فرض على الجميع أن يذكروه بخير ويتعاملوا معه باحترام، فلم يكن في سلوكه ما يمكن أن يلام عليه. كان يجسد بحق الفكرة التي قال بها سقراط، وهي أن المعرفة أساس الفضيلة. ” الفضيلة علم والرذيلة جهل”، فالعالِم لا يكون إلا فاضلا في تصور سقراط. وإذا كان هذا التصور لا يجد له تطبيقات كافية في التاريخ، فإن ابن رشد كان بحق أحد أولئك القلائل الذين اقترن لديهم العلم بالفضيلة، ليكون حكمة و يكون صاحبه حكيما.

وهذه أمثلة:

كان الرجل يعيش في بلاط الخليفة والأمراء منذ الخامسة والعشرين من عمره: كان عضوا في اللجنة التي كلفت بإصلاح التعليم ورسم الإستراتيجية الثقافية للدولة، زمن عبد المومن، المؤسس الفعلي لدولة الموحدين. وكان الرجل المقدم في الحاشية على عهد أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن ثم على عهد ابنه يعقوب المنصور، عمل قاضيا وطبيبا للخليفة وقاضي قضاته… وإلى ذلك كله كان أبي النفس مستقل الفكر، يذهب إلى مجالس الخليفة بثيابه العادي حتى وصف بأنه كان “رث الثياب“، ويذكر الذين كتبوا عنه وعن نكبته “أنه كان متى حضر مجلس الخليفة الموحدي المنصور وتكلم معه أو بحث عنده في شيء من العلم يخاطب المنصور بأن يقول: تسمَّعْ يا أخي“. وواضح ما في هذا التعبير من استقلالية وتجاوز للغة البروتوكول (= تسمع على وزن تأَدَّبْ، تَعقَّلْ…). ويشهد الذين أرخوا له وراقبوا سلوكه أنه كان في قضائه مع الضعفاء والمظلومين دائما، وأنه لم يجمع مالا، وأنه كان يعنى بشؤون بلده أكثر من عنايته بشؤونه الخاصة.

وإلى ذلك كله كان ابن رشد ذا نظرة تاريخية موضوعية للأمور: لنستمع إليه وهو يخاطب الفقهاء الذين كانوا يمنعون الناس من النظر في كتب القدماء، كتب الفلسفة وعلومها. يقول ما معناه: إنه إذا حدث أن انحرف منحرف بسبب هذه الكتب فإن ذلك ليس هو القاعدة، وقد يشرق الإنسان بالماء فيموت. فهل نمنع الماء عن الناس جميعا بدعوى أن فلانا شرق به فمات؟

ومع ذلك فقد كان ابن رشد يدرك فعلا أن التعاطي للفلسفة يحتاج إلى كفاءة وأخلاق. لقد اشترط فيمن يريد تعاطي الفلسفة شروطا خمسة:

أولها: أن يكون فائق الفطرة، أي أن يكون له استعداد عقلي لتعلمها. فليس كل الناس خلقوا لتعلم الفلسفة أو الرياضيات أو الموسيقى، بل كل ومواهبه واستعداداته، خصوصا والفلسفة يومئذ كانت تضم العلوم كلها ابتداء من الرياضيات…

ثانيها: أن يدرس المتعلم العلوم على الترتيب. وهنا يلح أبن رشد على بيداغوجية خاصة لدراسة الفلسفة. يجب أن يبدأ المتعلم بالرياضيات ثم المنطق ثم الطبيعيات ثم ما وراء الطبيعة أو الإلهيات، كما كان الشأن عند اليونان زمن أفلاطون الذي كتب على باب أكاديميته: “من لم يكن مهندسا فلا يدخلن علينا”. هذا الترتيب ضروري لفهم الإلهيات الأرسطية. ودراستها بدون هذا الترتيب هو كالقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات.

ثالثها: العدالة الشرعية. وهذا اصطلاح فقهي يشترط في الشهادة الصحيحة. إن دراسة الفلسفة وقراءة كتب القدماء تقتضي أن يقف الدارس موقفا عدلا فلا يزيد في أقوالهم ولا ينقص منها ولا يعاديها بدون حجة أو برهان. العدالة الشرعية تعني هنا بلغتنا المعاصرة: الأمانة العلمية.

رابعها: الفضيلة العلمية ويقصد ابن رشد بها أن يكون المرء مخلصا في اعتقاده، فيعتقد ما هو مقتنع بصوابه ولا يغير رأيه إلا عن قناعة وبرهان. ويقول إن الرأي الذي يعتنقه الفرد عن برهان لا يملك أن يتخلى عنه كما يملك أن يجلس أو يقف أو العكس. فأنت لا تستطيع أن تتخلى عن قناعتك بصحة قانون علمي أو رأي من الآراء الذي ثبت عندك ببرهان صحيح، بل تسلم به أردت أم كرهت. فالرأي الذي من هذا النوع يكون –كما ي

المزيد


فقيه قرطبة وإمام المذهب الظاهري ابن حزم يكتب : ماهية الحب

أكتوبر 2nd, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

 806ima
 
 
 
 
 
 
من ذخائر التراث العربي، ألفها ابن حزم وهو في عنفوان الشباب، لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره. واعترف في بعض صفحاته بتولعه بجارية من جواري القصر، كانت تجيد الغناء والعزف على العود، وذكرطرفاً من أخباره معها، وقص علينا خبر غنائها لأبيات العباس بن الأحنف التي أولها: (إني طربت إلى شمس إذا غربت * كانت مغاربها جوف المقاصير).. قال: (فلعمري لكأن المضراب إنما يقع على قلبي، وما نسيت ذلك اليوم ولا أنساه إلى يوم مفارقتي الدنيا.
قال د. الطاهر محقق النسخة الموجودة في الأسواق: (وقد حطم ابن حزم في كتابه هذا كل الحياء المصطنع، وأتى على كلالأسوار العالية التي تعزل الفقه عن الحياة.
 
الحب - أعزك الله - أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل وقد أحب من الخلفاء المهدبين والأئمة الراشدين كثير، منهم بأندلسنا عبد الرحمن بن معاوية الدعجاء، والحكم بن هشام، وعبد الرحمن بن الحكم وشغفه بطروب أم عبد الله ابنة أشهر من الشمس، ومحمد بن عبد الرحمن وأمره مع غَزلان أم بنيه عثمان والقاسم والمُطرف معلوم، والحاكم المستنصر وافتتانه بصبح أم هاشم المؤيد بالله رضي الله عنه وعن جميعهم وامتناعه عن التعرض للولد من غيرها. ومثل هذا كثير، ولولا أن حقوقهم على المسلمين واجبة - وإنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين وإنما هو شيء كانوا ينفردون به في قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم - لأوردت من أخبارهم في هذا الشأن غير قليل.
 
وأما كبار رجالهم ودعائم دولتهم فأكثر من أن يحصوا، وأحدث ذلك ما شاهدناه بالأمس من كلف المظفر بن عبد الملك بن أبي عامر بواحد، بنت رجل من الجبائين حتى حمله حبها أن يتزوجها، وهي التي خلف عليها بعد فناه العامر بن الوزير عبد الله بن مسلمة، ثم تزوجها بعد قتله رجل من رؤساء البربر.

ومما يشبه هذا أن أبا العيش بن ميمون القرشي الحسيني أخبرني أن نزار بن معد صاحب مصر لم ير ابنه منصور بن نزار، الذي ولى الملك بعده وادعى الإلهية إلا بعد مدة من مولده، مساعدة لجارية كان يحبها حباً شديداً، هذا ولم يكن له ذكر ولا من يرث ملكه ويحيي ذكره سواه.
ومن الصالحين والفقهاء في الدهور الماضية والأزمان القديمة من قد استغنى بأشعارهم عن ذكرهم: وقد ورد من خبر عبيد الله عتبة بن مسعود وشعره ما فيه الكفاية. وهو أحد فقهاء المدينة السبعة وقد جاء من فتيا ابن عباس رضي الله عنه مالا يحتاج معه إلى غيره حين يقول: هذا قتيل الهوى لا عقل ولا قود.
وقد اختلف الناس في ماهيته وقالوا وأطالوا، والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع، لا على ما حكاه محمد بن داود رحمه الله عن بعض أهل الفلسفة. الأرواح أكر مقسومة لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي ومجاورتها في هيئة تركيبها وقد علمنا أن سر التمازج والتباين في المخلوقات إنما هو الاتصال والانفصال والشكل دأباً يستدعى شكله، والمثل إلى مثله ساكن، وللمجانسة عمل محسوس وتأثير مشاهد، والتنافر في الأضداد والموافقة في الأنداد، والنزاع فيما تشابه موجود فيما بيننا فكيف بالنفس وعالمها العالم الصافي الخفيف وجوهرها الجوهر الصعاد المعتدل، وسنخها المهيأ لقبول الاتفاق والميل والتوق والانحراف والشهوة النفار. كل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان فيسكن إليها، والله عز وجل يقول: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ليسكن إليها)، فجعل علة السكون أنها منه. ولو كان علة الحب حسن الصورة الجسدية لوجب ألا يستحسن الأنقص من الصورة. ونحن نجد كثيرا ممن يؤثر الأدنى ويعلم فضل غيره ولا يجد محيداً لقلبه عنه. ولو كان للموافقة في الأخلاق لما أحب المرء من لا يساعده ولا يوافقه. فعلمنا أنه شيء في ذات النفس وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب، وتلك تفنى بفناء سببها. فمن ودك لأمر ولى مع انقضائه.
 
ومما يؤكد هذا القول أننا علمنا أن المحبة ضروب. فأفضلها محبة المتحابين في الله عزوجل؛ إما لاجتهاد في العمل، وإما لاتفاق في أصل النحلة والمذهب، وإما لفضل علم يمنحه الإنسان ومحبة القرابة، ومحبة الألفة والاشتراك في المطالب، ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة البر يضعه المرء عند أخيه، ومحبة الطمع في جاه المحبوب، ومحبة المتحابين لسر يجتمعان عليه يلزمهما ستره، ومحبة بلوغ للذة وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس، فكل هذه الأجناس منقضية مع انقضاء عللها وزائدة بزيادتها وناقصة بنقصانها، متأكدة بدنوها فاترة ببعدها. حاشى محبة العشق الصحيح الممكن من النفس فهي التي لا فناء لها إلا بالموت.

وإنك لتجد ال


المزيد


الرحالة الكواكبي يكتب عن: الاستبداد والدين

سبتمبر 19th, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

  760ima

هي كلمة حق و صرخة في واد إن ذهبت اليوم مع الريح لقد تذهب غداً بالأوتاد

  

عبد الرحمن الكواكبي (1848 ـ 1902) مفكر ومصلح ولد في حلب، بدأ حياته بالعمل في الصحافة داعيًا للإصلاح والقومية العربية، فتعرض لكثير من المتاعب من قِبَل الدولة العثمانية، فسجن عدة مرات، وعاش شريدًا يطوف العالم العربي داعيا إلى الحرية السياسية، والعدالة الاجتماعية، وتجديد الدين. له كتابان مشهوران يعتبر «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» أهمهما

ألف العديد من الكتب منها طبائع الاستبداد و ام القرى وطبعا لأول مرة في حياته كما ألف العظمة لله و صحائف قريش وقد فقدا مخطوطين مع جملة اوراقه ومذكراته ليلة وفاته.

.

الاستبداد والدّين
 
تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني، والبعض يقول: إنْ لم يكنْ هناك توليد فهما أخوان؛ أبوهما التَّغلب وأمّهما الرّياسة، أو هما صنوان قويّان؛ بينهما رابطة الحاجة على التّعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنَّهما حاكمان؛ أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب. والفريقان مصيبان بحكمهما بالنّظر إلى مغزى أساطير الأوّلين، والقسم التّاريخي من التّوراة، والرّسائل المضافة إلى الإنجيل. ومخطئون في حقّ الأقسام التّعليمية الأخلاقية فيهما، كما هم مخطئون إذا نظروا إلى أنَّ القرآن جاء مؤيّداً للاستبداد السّياسي. وليس من العذر شيء أنْ يقولوا: نحن لا ندرك دقائق القرآن نظراً لخفائها علينا في طيِّ بلاغته، ووراء العلم بأسباب نزول آياته؛ وإنَّما نبني نتيجتنا على مقدِّمات ما نشاهد عليه المسلمين منذ قرون إلى الآن من استعانة مُستبدِّيهم بالدِّين.
يقول هؤلاء المحرِّرون: إنَّ التَّعاليم الدّينية، ومنها الكتب السَّماويّة تدعو البشر إلى خشية قوّة عظيمة لا تُدرك العقول كُنْهَها، قوّة تتهدَّد الإنسان بكلّ مصيبة في الحياة فقط، كما عند البوذية واليهودية، أو في الحياة وبعد الممات، كما عند النّصارى والإسلام، تهديداً ترتعد منه الفرائص فتخور القوى، وتنذهل منه العقول فتستسلم للخبل والخمول، ثمَّ تفتح هذه التَّعاليم أبواباً للنّجاة من تلك المخاوف نجاة وراءها نعيم مقيم، ولكنْ؛ على تلك الأبواب حجّاب من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين لا يأذنون للنّاس بالدّخول ما لم يعظِّموهم مع التّذلّلِ والصّغار، ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران، حتَّى إنَّ أولئك الحجَّاب في بعض الأديان يحجزون فيما يزعمون لقاء الأرواح بربِّها ما لم يأخذوا عنها مكوس المرور إلى القبور وفدية الخلاص من مطهر الأعراف. وهؤلاء المهيمنون على الأديان كم يرهِّبون النّاس من غضب الله وينذرونهم بحلول مصائبه وعذابه عليهم، ثمَّ يرشدونهم إلى أنْ لا خلاص ولا مناص لهم إلا بالالتجاء إلى سكان القبور الذين لهم دالة، بل سطوة على الله فيحمونهم من غضبه.
ويقولون: إنَّ السّياسيين يبنون كذلك استبدادهم على أساسٍ من هذا القبيل، فهم يسترهبون النّاس بالتّعالي الشّخصي والتّشامخ الحسّي، ويُذلِّلونهم بالقهر والقوّة وسلبِ الأموال حتَّى يجعلونهم خاضعين لهم، عاملين لأجلهم، يتمتَّعون بهم كأنَّهم نوع من الأنعام التي يشربون ألبانها، ويأكلون لحومها، ويركبون ظهورها، وبها يتفاخرون.
ويرون أنَّ هذا التَّشاكل في بناء ونتائج الاستبدادَيْن؛ الدِّيني والسّياسي، جعلهما في مثل فرنسا خارج باريس مشتركَيْن في العمل، كأنَّهما يدان متعاونتان، وجعلهما في مثل روسيا مشتبكَيْنِ في الوظيفة، كأنَّهما اللوح والقلم يُسجِّلان الشقاء على الأمم.
ويُقرِّرون أنَّ هذا التَّشاكل بين القوّتَيْن ينجرُّ بعوام البشرـ وهم السواد الأعظم ـ إلى نقطة أنْ يلتبس عليهم الفرق بين الإله المعبود بحقّ وبين المستبدّ المُطاع بالقهر، فيختلطان في مضايق أذهانهم من حيث التَّشابه في استحقاق مزيد التَّعظيم، والرِّفعة عن السّؤال وعدم المؤاخذة على الأفعال؛ بناءً عليه؛ لا يرون لأنفسهم حقّاً في مراقبة المستبدّ لانتفاء النّسبة بين عظمته ودناءتهم؛ وبعبارة أخرى: يجد العوام معبودهم وجبَّارهم مشتركَيْنِ في كثيرٍ من الحالات والأسماء والصِّفات، وهم ليس من شأنهم أنْ يُفرِّقوا مثلاً بين ( الفعَّال المطلق)، والحاكم بأمره، وبين (لا يُسأل عمّا يفعل) وغير مسؤول، وبين        (المنعم) ووليّ النعم، وبين (جلَّ شأنه) وجليل الشَّأن. بناءً عليه؛ يُعظِّمون الجبابرة تعظيمهم لله، ويزيدون تعظيمهم على التَّعظيم لله؛ لأنَّه حليمٌ كريم، ولأنَّ عذابه آجلٌ غائبٌ، وأمَّا انتقام الجبَّار فعاجلٌ حاضر. والعوام ـ كما يقال ـ عقولهم في عيونهم، يكاد لا يتجاوز فعلهم المحسوس المُشاهَد، حتَّى يصحّ أنْ يُقال فيهم: لولا رجاؤهم بالله، وخوفهم منه فيما يتعلَّق بحياتهم الدّنيا، لما صلّوا ولا صاموا، ولولا أملهم العاجل، لما رجَّحوا قراءة الدّلائل والأوراد على قراءة القرآن، ولا رجَّحوا اليمين بالأولياء ـ المقرَّبين كما يعتقدون ـ على اليمين بالله.
وهذه الحال؛ هي التي سهَّلت في الأمم الغابرة المنحطَّة دعوى بعض المستبدِّين الألوهية على مراتب مختلفة، حسب استعداد أذهان الرَّعية، حتَّى يُقال: إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد، تفريق الأمم إلى مذاهب وشيع متعادية تقاوم بعضها بعضاً، فتتهاتر قوَّة الأمّة ويذهب ريحها، فيخلو الجوّ للاستبداد ليبيض ويُفرِّخ، وهذه سياسة الإنكليز في المستعمرات، لا يُؤيِّدها شيء مثل انقسام الأهالي على أنفسهم، وإفنائهم بأسهم بينهم بسبب اختلافهم في الأديان والمذاهب.
ويُعَلِّلُون أنَّ قيام المستبدِّين من أمثال (أبناء داود) و (قسطنطين) في نشر الدِّين بين رعاياهم، وانتصار مثل (فيليب الثّاني) الأسباني و (هنري الثّامن) الإنكليزي للدِّين، حتَّى بتشكيل مجالس (انكيزيسيون) وقيام الحاكم الفاطميّ والسَّلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصُّوفيّة، وبنائهم لهم التّكايا، لم يكنْ إلا بقصد الاستعانة بممسوخ الدِّين وببعض أهله المغفَّلين على ظلم المساكين، وأعظم ما يلائم مصلحة المستبدّ ويُؤيّدها أنَّ النّاس يتلقّون قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث وجدال، فيودّون تأليف الأمّة على تلقّي أوامرهم بمثل ذلك، ولهذا القصد عيْنه، كثيراً ما يحاولون بناء أوامرهم أو تفريعها على شيءٍ من قواعد الدِّين.
ويحكمون بأنَّ بين الاستبدادَيْن: السّياسيّ والدّينيّ مقارنة لا تنفكُّ متى وُجِد أحدهما في أمّة جرَّ الآخر إليه، أو متى زال، زال رفيقه، وإنْ صلح، أي ضعف الأوّل، صلح، أي ضعف الثّاني. ويقولون: إنَّ شواهد ذلك كثيرةٌ جدّاً لا يخلو منها زمانٌ ولا مكان. ويُبرهنون على أنَّ الدّين أقوى تأثيراً من السّياسة إصلاحاً وإفساداً، ويُمثّلون بالسّكسون؛ أي الإنكليز والهولنديين والأميركان والألمان الذين قبلوا البروتستنتيّة، فأثر التّحرّر الدّيني في الإصلاح السّياسي والأخلاق أكثر من تأثير الحرّيّة المطلقة السّياسيّة في جمهور اللاتين؛ أي الفرنسيين والطّليان والاسبانيول والبرتغال. وقد أجمع الكتّاب السّياسيون المُدقِّقون، بالاستناد على التّاريخ والاستقراء، من أنَّ ما من أمّة أو عائلة أو شخص تَنَطَّعَ في الدّين أي تشدَّد فيه إلا واختلَّ نظام دنياه وخسر أولاده وعقباه.
والحاصل أنَّ كل المدقِّقين السّياسيين يرون أنَّ السّياسة والدّين يمشيان متكاتفَيْن، ويعتبرون أنَّ إصلاح الدّين هو أسهل وأقوى وأقرب طريق للإصلاح السّياسي.
وربما كان أوّل من سلك هذا المسلك؛ أي استخدم الدِّين في الإصلاح السّياسي؛ هم حكماء اليونان، حيث تحيَّلوا على ملوكهم المستبدِّين في حملهم على قبول الاشتراك في السّياسة بإحيائهم عقيدة الاشتراك في الألوهية، أخذوها عن الآشوريين، ومزجوها بأساطير المصريين بصورة تخصيص العدالة بإله، والحرب بإله، والأمطار بإله، إلى غير ذلك من التّوزيع، وجعلوا لإله الآلهة حقّ النّظارة عليهم، وحقّ التّرجيح عند وقوع الاختلاف بينهم. ثمَّ بعد تمكُّن هذه العقيدة في الأذهان بما أُلبست من جلالة المظاهر وسحر البيان سَهُلَ على أولئك الحكماء دفعهم النّاس إلى مطالبة جبابرتهم بالنّزول من مقام الانفراد، وبأنْ تكون إدارة الأرض كإدارة السّماء، فانصاع ملوكهم إلى ذلك مُكْرهين. وهذه هي الوسيلة العظمى التي مكَّنت اليونان أخيراً من إقامة جمهوريات أثينا وإسبارطة، وكذلك فعل الرّومان. وهذا الأصل لم يزل المثال القديم لأصول توزيع الإدارة في الحكومات الملكية والجمهوريات على أنواعها إلى هذا العهد.
إنَّما هذه الوسيلة؛ أي التَّشريك، فضلاً عن كونها باطلة في ذاتها، نَتَجَ عنها ردُّ فعلٍ أضرَّ كثيراً، وذلك أنَّها فتحتْ للمشعوذين من سائر طبقات النّاس باباً واسعاً لدعوى شيء من خصائص الألوهية، كالصّفات القُدْسيّة والتّصرُّفات الرُّوحيّة، وكان قبل ذلك لا يتهجّم على مثلها غير أفراد من الجبابرة، كنمرود وإبراهيم وفرعون وموسى، ثمَّ صار يدَّعيها البرهميّ والبادريّ والصُّوفيّ. ولملائمة هذه المفسدة لطباع البشر من وجوه كثيرة ـليس بحثنا هذا محلّهاـ انتشرت وعمّت وجنَّدت جيشاً عرمرماً يخدم المستبدِّين.
وقد جاءت التّوراة بالنَّشاط، فخلَّصتهم من خمول الاتِّكال بعد أن بلغ فيهم أنْ يُكلِّفوا الله ونبيّه يقاتلان عنهم، وجاءتهم بالنّظام بعد فوضى الأحلام، ورفعت عقيدة التّشريك، مُستبدلةً ـمثلاًـ أسماء الآلهة المتعدِّدة بالملائكة، ولكنْ؛ لم يرضَ ملوك آل كوهين بالتَّوحيد فأفسدوه. ثمَّ جاء الإنجيل بسلسبيل الدّعة والحِلْم، فصادف أفئدةً محروقةً بنار القساوة والاستبداد، وكان أيضاً مؤيّداً لناموس التّوحيد، ولكنْ؛ لم يقْوَ دُعاته الأوَّلون على تفهيم تلك الأقوام المنحطَّة، الذين بادروا لقبول النَّصرانيّة قبل الأمم المترقِّية، أنَّ الأبوّة والبنوّة صفتان مجازيَّتان يُعبَّر بهما عن معنى لا يقبله العقل إلا تسليماً؛ كمسألة القدر التي ورثت الإسلامية التّفلسف فيها عن أديان اليهود وأوهام اليونان. ولهذا؛ تلقَّت تلك الأمم الأبوّة والبنوّة بمعنى توالد حقيقيّ؛ لأنّه أقرب إلى مداركهم البسيطة التي يصعب عليها تناول ما فوق المحسوسات، ولأنّهم كانوا قد ألفوا الاعتقاد في بعض جبابرتهم الأوّلين أنَّهم أبناء الله، فكَبُرَ عليهم أنْ يعتقدوا في موسى عليه السّلام صفة هي دون مقام أولئك الملوك. ثمَّ لمّا انتشرت النّصرانية ودخلها أقوام مختلفون، تلبَّست ثوباً غير ثوبها، كما سائر الأديان التي سلفتها، فتوسَّعت برسائل بولس ونحوها، فامتزجت بأزياء وشعائر وثنية للرُّومان والمصريين مُضافة على شعائر الإسرائيليين وأشياء من الأساطير وغيرها، وأشياء من مظاهر الملوك ونحوها. وهكذا صارت النّصرانية تُعظِّم رجال الكهنوت إلى درجة اعتقاد النّيابة عن الله والعصمة عن الخطأ وقوَّة التَّشريع، ونحو ذلك ممّا رفضه أخيراً البروتستان؛ أي الرّاجعون في الأحكام لأصل الإنجيل.
ثمَّ جاء الإسلام مهذِّباً لليهوديّة والنّصرا


المزيد


بيان البغدادي الأشاعرة هم الفرقة الناجية .. والباقي ضالون…..

سبتمبر 12th, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

بيان البغدادي: أو الترسيم الإيديولوجي للعقيدة

الأشاعرة هم الفرقة الناجية .. والباقي ضالون أو كفار

 

517naa

 

 

 ندرج هذا النص للبغدادي، زعيم الأشاعرة في عصره. وأهمية هذا النص ترجع إلى كونه يمثل قمة ما نعبر عنه هنا بـ”الترسيم الإيديولوجي للعقيدة” وهي العملية التي تمت مع ما يعرف بـ “بيان القادري”، نسبة إلى الخليفة العباسي القادر الذي هيمن الأشاعرة في عهده على الدولة فأصدر أمرا بمنع الخوض في مسائل علم الكلام على وجه آخر غير ما قرره في “بيانه” المختصر والاعتقاد القادري: هو عقيدة أهل السنة التي كُتبت للخليفة القادر العباسي (أحمد بن إسحاق) وتليت في مساجد بغداد وجوامعها وأقرتها طوائف أهل السنة، كما حكى ابن تيمية في كتاب (درء تعارض العقل والنقل) (ج6/ ص252) وفيه أن الذي كتب (الاعتقاد القادري) هو الشيخ أبو أحمد الكرخي الإمام المشهور في أثناء المائة الرابعة..

 و”بيان البغدادي” الذي ننشر فقرات منه هنا هو بمثابة شرح له وتفسير. ولا يمكن أن يفهم نقد ابن رشد للأشاعرة في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة” إلا على ضوء هذا “الترسيم الإيديولوجي للعقيدة” الذي قام به الأشاعرة في القرن الذي الخامس الهجري، وابن رشد عاش في السادس .

وقد نص “بيان القادري” والجزء الأكبر من “بيان البغدادي” وفتوى ابن رشد الجد، كبير فقهاء الأندلس في عصره، وهي الفتوى التي تشجب هذا النوع من الأدلجة للعقيدة وتدعو إلى اعتماد الظاهر من القرآن في أمور العقيدة، وهو المنهج الذي سيشرحه ابن رشد الحفيد في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة”،

“هذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها وضللوا من خالفهم فيها، وفي كل ركن منها مسائلُ أصولٌ، ومسائلُ فروعٌٍ. وهم يجمعون على أصولها، وربما اختلفوا في بعض فروعها اختلافا لا يوجب تضليلا ولا تفسيقا.

 

 

 

“فأما الركن الأول في إثبات الحقائق والعلوم:

[1]- “فقد أجمعوا على إثبات العلوم معاني قائمة بالعلمــاء وقالوا بتضليل نُفاة العلم وسائر الأعراض […]

“وأما الركن الثاني وهو الكلام في حدوث العالم:

[2]- “فقد أجمعوا على أن العـالَم: كل شيء هو غير الله عز وجل، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع،

[3]- ”

[4]- “وأجمعوا على أن أجزاء العالم قسمان: جواهر وأعراض، خلاف قول نفاة الأعراض في نفيها للأعراض.

[5]- “وأجمعوا على أن كل جوهر جزء لا يتجزأ، وأكفروا النظَّام والفلاسفة الذين قالوا بانقسام كل جزء إلى أجزاء بلا نهاية، لأن هذا يقتضي ألا تكون أجزاؤها محصورة عند الله تعالى، وفي هذا رد قوله: » وأحصى كل شيء عددا« (الجن 28).

[6]- “وقـالوا بإثبات الملائكة والجن والشياطين في أجناس حيوانات العالم، وأكفروا من أنكرهم من الفلاسفة والباطنية.

[7]- ” وقالوا بتجانس الجواهر والأجسام، وقالوا إن اختلافها في الصور والألوان والطعوم والروائح إنما هو لاختلاف الأعراض القائمة بها.

[8]- “وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع.

[9]- “وضللوا أيضا من قال من الفلاسفـة بخمس طبائع، وزعم أن الفلك طبيعة خامسة لا تقبل الكون والفساد كما ذهب إليه أرسطوطاليس.

[10]- ” وضللوا من قال من الثنوية إن الأجسام نوعان: نور وظلمة، وأن الخير من النور والشر من الظلمة […]

[11]- ” واتفق أهل السنة على اختلاف أجناس الأعراض، وأكفروا النظام فـي قوله إن الأعراض كلها جنس واحد وأنها كلها حركات، لأن هذا يوجب عليـه أن يكون الإيمان من جنس الكفر، والعلم من جنس الجهل، والقول من جنس السكوت […]

[12]- ” واتفقوا على حدوث الأعراض في الأجسام، وأكفروا من زعم من الدهرية أنها كامنة في الأجسام وإنما يظهر بعضها عند كمون ضده في محله.

[13]- “واتفقـوا على أن كل عرض حادث في محل، وأن العرض لا يقوم بنفسه.

[14]- “وأكفروا من قال من المعتزلة البصرية بحدوث إرادة الله سبحانه لا في محل، وبحدوث فناء الأجسام لا في محل.

[15]- “وأكفروا أبا الهذيل في قوله: إن قول الله عز وجل للشيء: “كن”، عرض حادث لا في محل.

[16]- “واتفقوا على أن الأجسام لا تخلو، ولم تخل قط، من الأعراض المتعاقبة عليها.

 

وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع، ولا هو من جنس العالم ولا جنس شيء من أجزاء العالم

[17]- ” وأكفروا من قال من أصحاب الهيولى: إن الهيولى كانت في الأزل خالية من الأعراض ثم حدثت فيها الأعراض حتى صارت على صورة العالم […]

[18]- “وأج

المزيد


كان لي صديق………..

أغسطس 14th, 2007 كتبها باحث في الفكر الاسلامي نشر في , عيون التراث الإسلامي

 132ima

 

هو عبد الله بن المقفّع، وكان اسمه روزبه قبل أن يسلم. ولد في حور في فارس، لقِّب أبوه بالمقفّع لتشنّج أصابع يديه على اثر تنكيل الحجاج به بتهمة مدّ يده إلى أموال الدولة, درس الفارسية وتعلّم العربية في كتب الأدباء, رافق الأزمات السياسية في زمن الدولتين الأموية والعباسية, كان فاضلا ونبيلا وكريما ووفيا ومن القصص التي تدلّ على صدقه ووفائه، انه لما قُتل مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، اختفى عبدالحميد الكاتب، فعُثِرَ عليه عند ابن المقفّع، وكان صديقه. وعندما سئِل الرجلان: أيُّكما عبد الحميد؟ قال كل واحد منهما “أنا” خوفا على صاحبه.

وكان الوالي يكرهه فأغتاله وأماته شر ميتة، راح الأديب العبقري والإنسان الفاضل، ضحية السياسة والخلافات السياسية داخل الأسرة العباسية، ولم يقتل كخصم سياسي، بل ألصقت به تهمة الزندقة التي هو منها بريء بشهادة مؤلفاته، وبشهادة الأبحاث التي دارت حول حياته وفكره.
 
 
 نقل من البهلوية إلى العربية كليلة ودمنة. وله في الكتب المنقولة التي وصلت إلينا الأدب الكبير والصغير والأدب الكبير فيه كلام عن السلطان وعلاقته بالسلطان وعلاقته بالرعية وعلاقة الرعية به وقد استنطق الحيوان كشكل للدلالة علي تأزم العلاقة بين المثقف والسلطة والأدب الصغير يدور حول تهذيب النفس وترويضها على الأعمال الصالحة، من أعماله مقدمة كليلة ودمنة، ورسالة “الصحابة” التي تدور

المزيد


التالي



 الزهد على ثلاث أوجه-الأول ترك الحرام وهو زهد العوام-والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص –والثالث ترك ما يشغل العبد عن الله تعالى وهو زهد العارفين الإمام احمد بن حنبل