الدليل على الله رب العالمين، تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه2
كتبهاباحث في الفكر الاسلامي ، في 20 يناير 2009 الساعة: 10:59 ص
[دلالة الآيات الكونية على وجود الله]
والحمد لله على ما جعل لنا من السبيل بما قلنا وغيره إلى معرفته، ودلنا عليه في محكم القرآن مَنّاً وإحساناً من صفته، فقال سبحانه فيما عرفنا، منه وثَبَّت لنا، من أنه يعرف بالأعلام القائمة الدآلة، والشهادات القاطعة العادلة، التي لم تبرح في الأنفس والآفاق شاهدة مشهودة، ولم تزل في السماوات والأرض وما بينهما من سالف الأحقاب قائمة موجودة، تشير إلى معرفته بكف وبنان، وتومئ إلى العلم بالله لكل من له قلب وعينان، كما قال الله سبحانه: ? وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّوْنَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُوْنَ ? [يوسف :105]. وقال سبحانه: ? وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوْقِنِيْنَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفلاَ تُبْصرُوْن، وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوْعَدُوْن، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُوْن ? [الذريات :20ـ 23]. وقال سبحانه: ? سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسهمْ حَتَّى يَتَبَينَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَق أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِ شَيءٍ شَهِيْدٍ ? [فصلت:53]. فمن شهادته سبحانه لها أنه لِما كان منها مدبِّر مريد، ثُمَّ قرر لنا سبحانه شهادة دلائله، بما أظهر في السماوات والأرض والأنفس من أثر جعائله، بتوقيف مُنَبِّه لكل بصير حي، وتعريف لا يَجهل بعده إلا كل ضلِّيل عميٍّ، فقال سبحانه في توقيفه، وما نبه من تعريفه: ? إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالْنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُوْنَ، فَالِقُ الاصباح وَجَاعِلُ الْلِيْلِ سَكَناً وَالْشَمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيْزِ الْعَلِيْمِ، وَهْوَ الذِي جَعَلَ لَكُمْ النُجُوْمَ لِتَهْتَدُوْا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وَهْوَ الْذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌ وَمُسْتَودَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَومٍ يَفْقَهُونَ، وَهْوَ الْذِيْ أَنْزَلَ مِنَ الْسَمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَباً مُتَرَاكِباً وَمِنَ الْنَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالْزَّيْتُونَ وَالْرُّمُان مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِيِ ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوم يؤمنون ? [الأنعام:95-99]. ففلْقُ الحب ـ يا بني ـ والنوى والاصباح، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي بأوضح الايضاح، وما جعل من الليل سكناً، ولباساً مُكِنَّا، ومن الشمس والقمر حسبانا معدوداً، وما جعل في النجوم للسارين من الهدى، وإنشاء البشر من نفس واحدة، فما لا تنكره فرقة ملحدة ولا غير ملحدة. وما استودع منهم في الأرحام والأصلاب، وما استقر _ منهم في قرار الأرض وعلى متن التراب، وما أنزل من الماء، من جو السماء، وما أخرج به من خَضِر الألوان المختلفة، وأصناف الحبوب المتراكبة المتصنفة، وما أخرج به من النخل وطلعها، وقنوانها الدانية عند ينعها، وما أخرج به من جنات الأعناب ذوات الألوان، وما تشابه أو لم يتشابه من الزيتون والرمان _ فمعاينٌ كله بما قال الله فيه مشهود، بَيِّنٌ فيه كله أثر صنع الله موجود، لا يقدر أحد له بحجة على إنكار، ولا يمتنع حكيم على الله فيه من إقرار.
ومن توقيفه سبحانه المكرَّم، وتعليمه تبارك وتعالى المحكم، قوله: ?قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ الْسَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ الْسَمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقَولوْنَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ!! فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الْضَلاَل فَأَنَّى تُصْرَفُونَ!! ? [يونس:31-32].
وكل ما ذكر الله سبحانه من هذا كله فقد علمنا بيقين، وأدركنا بقلب وعين، أنه مرزوق غير رازق، ومخلوق ليس لنفسه بخالق، ومملوك غير مالك من نفسه بشيء، ومُخرَج ومُحيًا غير مخرِج لنفسه ولا مُحيِي، وكل أمر السماء والأرض فقد يُعاين مدبَّراً غير مدبِّر، ويُرى أثراً ـ بأبين شواهد التأثير ـ من مؤثِّر، فلا بد ببت اليقين من رازقِ ما يُرى من الأرزاق، ومدبِّرِ ما يعاين من أثر التدبير في السماوات والآفاق، ومالكِ ما يرى مملوكاً غير مالك من السمع والأبصار، ومخرجِ الحي من الميت والميت من الحي بمواقيت وأقدار، ولا بد من مدبرِّ الأمر الأعم الكلي، ولن يوجد ذلك إلا الله الأعلى فوق كل عليٍّ.
ومن ذلك أيضا فقوله تبارك وتعالى: ? أفَرَأيْتُمْ مَا تُمْنُون، أأنْتُمْ تَخْلُقُوْنَهُ أمْ نَحْنُ الْخَالِقُوْن ؟! ? [الواقعة:58- 59]. فالله سبحانه هو الخالق ونحن الممنون، ليس لنا في ذلك غير إمناء المني من صنع، ولا نقدر بعده لما قدَّر بيننا من الموت على منع، فتقدير صنعنا كله وتدبيره، وتبديل خلقنا إن شاء خالقنا وتغييره، إلى من تولاه دوننا، وكان منه لا منا، كما قال سبحانه: ? نَحْنَ قَدَّرناَ بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوْقِيْن، عَلَى أنْ نُبَدِّلَ أمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لاتَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الْنَّشْأَةَ الأُولَى فَلولاَ تَذَكَّرُونَ ? [الواقعة:60- 62]. فقرر سبحانه بمعلوم غير مجهول، وذكَّر بما لا ينكره سليم العقول، من نشأة الصنع الأولى، فتبارك الله العلي الأعلى.
ثُمَّ قال سبحانه: ? أَفَرَأَيْتُمُ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْزَّارِعُون ؟! ? [الواقعة:63- 64]. فالله هو الزارع ونحن الحارثون. ليس لنا في الزرع سوى حرثه من حيلة موجودة ولا معدومة، ولا نقدر بعد الحرث له على إنشاء منه لسنبلة محمودة ولا مذمومة، وقدرتنا فإنما هي على الحرث والاعتمال، وعلى خلافهما من الترك والاغفال، وكذلك فَلِلَّه من القدرة بعدُ على إبطال الزرع وبلائه، مثل الذي كان له من القدرة قبلُ على تثميره وإنمائه، ولا يقدر على أمر إلا من يقدر على خلافه، وعلى فعلِ كلِ ما كان من نوعه وأصنافه، فمن لم يكن كذلك، وَتَصِح صفته بذلك، كان بريا من القدرة عليه، وكان العجز في ذلك منسوبا إليه، كما قال سبحانه، في الزرع بعد إكماله: ? لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفكّهُوْن، إنَّا لَمُغْرَمُوْن، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون ? [الواقعة:65- 67]. وكذلك إعذاب الماء، وما يعايَن من تنزيله من جو السماء، فلا يقدر على إعذاب الماء وإنزاله، إلا من يقد على إيجاجه وإقلاله، كما قال الله سبحانه: ? أفَرَأيْتُم الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُوْن، أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوْهُ مِنْ الْمُزْنِ أم نَحْنُ الْمُنْزِلُوْن، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُوْنَ ? [الواقعة:68- 70]. وكلُ فعلِ فرعٍ لا يتم إلاَّ بأصله، ففاعل الأصل أولى بفعلِ فرعِ أصله، كشجرة النار، وأصول الأشجار، التي هي من الأرض والماء، والجو والسماء.
فصنع هذه الفروع لمن كان له صنع الأصول، لا ينكر ذلك منكر ولا يدفعه إلا بمكابرة فِطَر العقول، كما قال الله سبحانه: ? أفَرَأَيْتُم النَّارَ الَّتِي تُوْرُوْنَ، أأنْتُمْ أنْشَأتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ الْمُنشِئُوْنَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِيْنَ ? [الواقعة:71- 73]. فكل ما نبه به من هذا ودل عليه، فداعٍ من معرفته سبحانه إلى ما دعا إليه.
ومن ذلك أيضا، فقوله تبارك وتعالى: ? اعْلَمُوْا أنَّ اللهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيْنَّا لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ? [الحديد:17]. فإذا كانت حياة الأرض بعد موتها موجودة، وميتتها التي كانت تُعلم قبل حياتها مفقودة، فلا بد اضطرارا ثابتا، ويقينا لا تدفعه النفوس بآتَّا، من إثبات مميتها ومحييها، إذ بَانَ أثر تدبيره فيها، بأكثر مما يعقل من الآثار، وأكبر مما تعرفه النفوس من الأقدار، مما لم يُر له في الحياة قط مؤثِّر، ولم يوجد له من المدبرين قط مدبِّر، إلا من يزعم أنه من الله لا منه، ومن يقر أنه منه يقر أنه من الله دونه، مثل المسيح بن مريم، وغيره ممن أعطيه من ولد آدم.
ومن تعريفه القريب، وتوقيفه العجيب، قوله سبحانه: ? قُل لِمَنْ الأرْضُ وَمَنْ فِيْهَا إنْ كُنْتُمْ تَعلَمُونَ، سَيَقُولُوْنَ للهِ قُل أفَلاَ تَذَكَّرُونَ ? [المؤمنون:84- 85]. فلما كانت الأرض مملوكة ومن فيها، بما تبيَّن من أثر الملك عليها، ثبت مالكها عند معاينتها غير مدفوع، ووُجِدَ صانعها باضطرار غير مصنوع.
ومن توقيفه، أيضا وتعريفه، قوله سبحانه: ? قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيْمِ ? [المؤمنون:86]. فلما وُجِد ـ ما وقَّف الله سبحانه عليه من ذلك ـ مربوبا غير متمنع، بما تبيَّن فيه من شواهد كل مربوب متخشِّع، وُجِد ربها كلها بيقين مبتوت عند وجودها، وشهد له بالربوبية ما شهد بالصنع عليها من شهودها.
ثُمَّ قال سبحانه لتوقيفه وتعريفه مرِّدداً، وعليهم بما لا تدفعه النفوس من الشهود مستشهدًا : ? قُلْ مَنْ بِيِده مَلَكُوتُ كُلِّ شَيٍء وَهْوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنتُمْ تَعَلمُونَ ? [المؤمنون:88]. فلما كان كل شيء يُحس بحس، أو يُعقل إن لم يكن محسوسا بنفس، في قبضة محيطة به من قدرة وملكوت، بما لا يدفعه عن نفسه من بلاء أو موت، كان مليك الملكوت للأشياء كلها معلوما باضطرار، من يجير ولا يجار عليه إذ الملكوت كلها له غير ممتنعة منه بجار.
ومما يَقَّظَ به سبحانه لمعرفته، ودلَّ منه بأوضح دليل على ربوبيته، وما تفرد به من صنع البدائع، وتوحَّد بابتداعه من بدع الصنائع، قوله سبحانه: ? والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثُمَّ جعلكم أزواجاً وما تحمل من أنثى ولا تضع إلاَّ بعلمه وما يُعمَّر من معمر ولا يُنقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير ? [فاطر:11].
فلما أن كان خلق أبينا، الذي هو أول إنشائنا، وهو آدم، الأب المقدم، مما ذكر الله تبارك وتعالى أنه ابتدأه منه من التراب، كنا مخلوقين مما خُلِق منه وإن نحن جرينا بعده نُطَفاً في الأصلاب.
والدليل البتُّ اليقين، الشاهد العدل المبين، على أن آدم عليه السلام بُدئ من التراب وخلق، مصير نسله تراباً إذا بلي وفُرِّق، وكل مركَّب انتقض من الأشياء، فعاد إلى شيء عند تنقضه بالفُرقة والبلى، فمنه رُكِّب وخلق غير شك ولا امتراء، كالثلج والجليد، والبَرَدِ الشديد، الذي يعود كل واحد منهما إذا انتقض وفُرِّقَ، إلى ما رُكِّب منه من المياه وخُلِق، وكمركَّب الأشجار والحبوب وغيرهما من ضروب الأغذية، التي تعود عند بلائها إلى ما رُكِّبت منه من الأرضين والمياه والنيران والأهوية.
وآدم عليه السلام في أنه من تراب - وإن كان كمالا وأباً - كأولاده، يجري عليه في أنه من ترابٍ ما يجري على أجزائه وآحاده، وما يعاين من معاد أنساله، التي هي أجزآؤه من كماله، إلى الرفات الجامد، والتراب الهامد، يلحق به مثله، إذ هم جزؤه ونسله، وما لحق بالأجزاء، من الموت والبِلاء، فلاحقٌ لا محالة بالكمال، والكمال والأجزاء فجارية منه على مثال، إذ كانت أشباهاً متماثلة، وأمثالاً لا يُجهل تماثلها متعادلة! وأما يقين خلقه إيانا سبحانه من نطفة، وما جعل منا أزواجا مختلفة، في الخلقة غير مؤتلفة، فمعايَنٌ فينا معلوم، لا تدفعه العيان ولا الحلوم. ألا ترى أن النطفة لو لم تكن لما كنتَ، ولو عَدِمتْ إذن لعَدِمْتَ. وما كان إذا عَدِمَ عَدِمْتَ، فمنه غير شك خلقت وقُوِّمْتَ. ألا ترى أن كون المرعى والأشجار، مما ينزل الله لها من المياه والأمطار، فإذا عدم الماء والمطر، هلك المرعى والشجر، أولا ترى أن كل ثمرة فمن شجراتها، فإذا عدمت الشجرات عدمت ثمراتها.
وما عجَّب الله به سبحانه من صنعه في تكثيره منه للقليل المفرد، ونشره تبارك وتعالى للكثير من واحد العدد، فأعجب عجاب، عجب له من خلقه أولو الألباب، بينا نحن تراب ميت إذ أحيانا، ونطفة واحدة إذ كثرنا فأثرانا، فجعل سبحانه منا بنطفة تمنى، ذكرا يعاين وأنثى، حكمة منه سبحانه لا عبثا، كما قال تبارك وتعالى: ? أيحسب الانسان أن يترك سد ى، ألم يكُ نطفة من مني يمنى، ثُمَّ كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ? [القيامة 36ـ 40].
فصرَّفنا بعد خلق خلقا، ترابا ثُمَّ نطفة ثُمَّ تارة عَلَقا، تصاريف لا يدَّعي على الله فيها مدعٍ دعوى، فيعلن بدعواه فيها ولا يسر بها نجوى، تبريا إلى الله الخالق منها، وتضآؤلا في جميع الأشياء عنها.
وكل هذه التصاريف فلا بد لها من مصرِّف، وما عُدّد من شتيت الأصناف فلا بد لها من مصنِّف، لا تدفع الألبابُ وجوده، ولا يُكذِّب إلا كاذبٌ شهودَه.
وما ذكر سبحانه من حمل كل أنثى ووضعها بعلمه، فما لا ينكره أحد وهبه الله حكمة من حِكَمِه، وما لا يأباه منقوص بعد التقرير إلا بمكابرة منه لعقله، مع الاقرار منه لنا صاغرا راغما بمثله، وإذا كان بمثله مقرا، كان بإنكاره له مكابرا، بل يعطى فيأبى، إلا مجانة وألعابا، إنما هو أصغر صغرا، وأيسر أضعافا قدرا، من حمل الأنثى ووضعها، وتأليف أعضاء الولدان وجمعها، وما فيها من حسن التصوير، وداخل معها في لطيف التدبير، لا يقوم معتدلا، ولا يبقى متصلا، طَرْفَ عين، بأيقن يقين، إلا بعلم من عليم، وتدبير متقَن من حكيم، لا تُلِمُّ به سنة ولا نوم، ولا تنازعه الأشغال ولا الهموم.
وكذلك تعمير المعمَّر، وما ينقص له من عمر، فلا يكون أبدا إلا في كتاب، إذ كانت الأيام والليالي بحساب، ولا يكون نقص العمر وزيادته، إلا لمن به قوامه ومآدته، ممن يدبر الأيام والليالي، ولن يوجد ذلك إلا عن الله الكبير المتعالي، ولا يكون كتاب ذلك الذي ـ هو علمه ـ على مَن وَسِعَ الأشياء كلها تدبيرا، إلا خفيفا ـ لا يؤوده حفظه ـ عليه تبارك وتعالى كما قال: يسيرا، ثُمَّ أخبر سبحانه صدقا، ونبَّأ في كتابه حقا، بقدرته على أن يخلق من الأشتات المختلفة، واحدا غير مختلف في الصفة، لأنه من قدر على خلق الأشتات من المؤتلف الذي لا يختلف، قَدَر على خلق الواحد المشتبه من الأشتات التي لا تأتلف، كخلقه سبحانه لأُحدان، ما خلق من الدر واللحمان، من مختلف البحار وأشتاتها، بأبين اختلاف من أُجاجها وفراتها. فجعل سبحانه منها، مع خلافه بينها، لحما واحدا مشتبها طريا، ولباسا واحدا من الدر حسنا بهيا، وحمل سبحانه على ظهورها، مع خلافه بينها في أمورها، الفلكَ المشحونَ السائرَ، وردها بعد التفريغ فيه مواخر، ليُعلِمَ ـ من عجيب تدبير أمرها، واختلاف الحال في مسيرها، إذ تسير شاحنة مالية، كما تسير ماخرة خالية، وإذ تسير بحاليها جميعا في أجاج البحار، كما تسير بهما في فرات الأنهار ـ أَن لها لمسيِّرا لا تختلف في قوته الأشياء، ومدبرِّا قويا لا تساويه الأقوياء، وأن تسييرها مقبلة ومدبرة، وشاحنة في البحرين وماخرة، إلى من يدبر ما سارت به من مختلف الرياح المسيَّرات، ومَنْ يملك ما جرت فيه من الماء الأجاج والفرات، ومن له مُلكُ ما لولا هو لم تكن الرياح الجاريات، ولم يوجد الملح من المياه ولا الفرات.
ومن إيلاجه سبحانه الليل في النهار، وما قدر بهما من المواقيت والأقدار، وتسخيره سبحانه للشمس والقمر، اللذين بهما دبَّر مسيرَ الفلك في البحار كل مدبَّر، كان لتدبيره ـ في المسير بهما في بحر ـ حكمة، أو فيهما لفلك بعد الله من نجاة عصمة، لما جعل سبحانه فيهما من الضياء، وبَصَّر بهما في المسير من القصد للأشياء، وبصَّر تبارك وتعالى بغيرهما، إذ فُقِدَ في ظلم الليل ما جعل من البصر بتسخيرهما، من النجوم السُّيَّر التي جعلها الله هدى للسارين في الظلمات، سَرَوا في البحار أو كان سراهم في الفلوات. كما قال الله سبحانه: ? وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلما ت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ? [الأنعام:97].
وتسخير ما ذكر الله سبحانه من الشمس والقمر، وتسخيره لغيرهما من النجوم السٌّيَّر، فظاهرٌ بحمد الله غير متوارٍ ولا خفي، يبصره عيانا كل ذي عقل حيِي، لما فيها من آيات التسخير، وبَيِّنِ ما معها من دليل التدبير، بتفاوت نورها، وغيره من أمورها، في السرعة والابطاء، والظهور والخفاء، والرجوع والتَّحيرُّ، والدأب في التدَّوُّر، فهي راجعة في المسير ومتحيِّرة، ومقبلة بالدؤوب ومدبرة، فهذه حال المسخَّر غير مرية ولا شك، جرى بها فلكها أو كانت جارية بأنفسها في الفلك. والتفاوت بينها في الضياء، فكغيره من التفاوت بين الأشياء، ولا يقع حكم التفاوت، أبدا بين متفاوت، إلا كان له وفيه، من فاوت بينه في حاليه، وكان مملوكا اضطرارا غير مالك، وكان ملكه لمن أسلكه من التفاوت في تلك المسالك. وكذلك حال تفاوت هذه النجوم، يجري من الله فيه بحكم محكوم، ولله سبحانه من ملكِ كل نجم وفلك ماله من ملك كل مملوك، و الحمد لله إله الآلهة وملك الملوك، ومدبر كل نجم وغيره، بما لا يخفى من أثر تدبيره، في الهيئة والتصوير، والمقام والتحيير والتيسير، ذلك قوله سبحانه فيما وصفنا من قدرته على خلق الواحد المشتبه من شتيت الأصناف، وخلقه للكثير المختلف من الواحد الذي ليس بذي اختلاف، وما وَلِيَ الله سبحانه من تدبير النجوم وتسخيرها، وإجراء الفلك في مختلف البحار وتسييرها، وإيلاجه سبحانه الليل في النهار، وتقديره لذلك كله بأحسن الأقدار، ? وَماَ يَستَوِي البَحْرانِ هَذَا عَذْبٌ فُراَتٌ سَاِئغٌ شَرابُهُ وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ? [فاطر12-13]. فصدق الله تبارك وتعالى، ذو الملك والقدرة والأمثال العُلا، إنه لهو الله ربنا، ومَنًّا منه كان خلقنا وتركيبنا، له الملك ومنه عجيب التدبير، ومن دُعي معه أو دونه فما يملك من قطمير، والقطمير: فأصغر ما يملكه متفرد به مالك، أو يشرك مليكاً في ملكه مشارك.
فكل ما ذكر الله من هذه الأمور، فَنيَرِّ بَيِّنٌ غير مستور، يشاهده ويحضره، ويعاينه ويبصره، مَن آمن بالله شكرا، أو صد عن الله كفراً.
أو لا تسمع قوله سبحانه: ?أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون، وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجاً سبلا لعلهم يهتدون، وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ? [الأنبياء 30 –33]. ففتقُ السماوات والأرض فيهن ظاهر لا يتوارى، يراه ويعاينه كل ذي عين ترى، وما يُعَايَنُ فيهن ويرى فتقًا، فشاهد على أنهن كنَّ قبله رتقًا، إذ لا يكون فتق إلا لمرتَتَق، كما لا يكون رتق إلا لمفتَتَق، ولا فتح إلا لمنغلق. ولا بد يقينا لكل مفتوق من فاتقه، كما لابد لكل مفتوح من فاتح أغلاقه، وما جعل الله من الماء من الحيوان، فموجود ما ذكر الله منه بالعيان؛ لأن كل شجرة حية قائمة، أو دآبة ناطقة أو بهيمة، فمن الماء جَعْلَتُها، وبه قامت جبلتها.
ألا ترى أن الشجرة إذا فقدت من الماء غذآءها، وفارق الماء قلبها ولحاها، يبست فماتت، وانحطمت فتهافتت، فذلك الدليل على أن من الماء جُعلت، إذ كانت إذا عد م الماء عدمت.
أولا ترى أن لولا مياه الذكران والإناث التي هي النطف، إذاً لما وجد من البشر والبهائم طارف يطرف، فذلك الدليل على أنهم من الماء جعلوا، إذ كان الماء إذا عدم عدموا، وذلك قوله سبحانه: ? فلينظر الانسان مما خلق، خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب ? [الطارق 5 – 7]. وقوله: ? وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ? [الفرقان 5:4].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























مارس 18th, 2009 at 18 مارس 2009 12:03 م
شكرا