
توطئة
منذ قديم الزمن كان من بين البشر من يعتقد أنّ الثبات وعدم التغيّر هو الصورة الفعلية للوجود والمجتمع، ومن بينهم أيضاً من اقتنع أنّ التغيّر والتحول هو الصورة الفعلية الكامنة في الفرد والجماعة والمجتمع.
ومن الواقفين على الطرف الأول الفيلسوف اليوناني بارمنيدس الذي ذهب إلى أنّ «الوجود هو الحقيقة الأزلية، وأنّ الحقيقة كائن ثابت غير متغيّر، أما التغيّر فهو عبارة عن وهم من الأوهام»[1].
ومن الواقفين على الطرف المقابل الفيلسوف اليوناني هيرقليطس صاحب المقولة الشهيرة: «إنّ من المستحيل على الشخص أن يلج النهر مرتين»[2]، فأنت لستَ أنت، والنهر ليس النهر!!. إشارة إلى التغيّر الكامن في البشر والوجود.
ويرى علم الاجتماع المعاصر أنّ التغيّر سمة فعلية في المجتمعات ترتقي إلى حدّ كونها ظاهرة شائعة لا تقبل الشك والريب، وغدا موضوع التغيّر الاجتماعي أحد أهم الموضوعات في علم الاجتماع الذي راح يصبّ كثيراً من دراساته لتأمل هذه الظاهرة ودراستها[3].
وتواشجت علوم كثيرة -كعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ- لتثبت أنّ التغيّر ظاهرة اجتماعية (Social phenomenon)، جلية.. راسخة رسوخ قدم الإنسان في أرض التاريخ وعمق الزمن، فقد مرت البشرية بمراحل ارتقت فيها من النطق إلى اكتشاف النار، فاستئناس الحيوان، فالزراعة، ثم التنظيم الاجتماعي، فالأخلاق، فالآلات، فالصناعة، فالعلوم، فالتربية، فالكتابة. وانتقلت من المجتمع البدائي إلى المجتمع المتحضر والمتمدن. والتقطت عدسة الشمس مجتمعات كثيرة مرت على المعمورة، من لدن المجتمع الصغير الذي مثله آدم وذريته الأولى، مروراً بمجتمع نوح وإبراهيم ولوط وهود وصالح وموسى وعيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وختاماً بالبشرية المعاصرة، وانتصبت في وجه قامة الزمن مجتمعات كثيرة وحضارات عتيدة كالمجتمع البابلي والصيني والهندي والفارسي والفرعوني واليوناني والروماني وغيرهم، ونمت مجتمعات كثيرة على بعضها نمواً رأسيًّا..
وهكذا.. فالمجتمع متغيّر بطبيعته.
والقرآن الكريم يؤمن بأنّ الاختلاف سمة أصيلة في المجتمع البشري: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾[4].
وتتفرّع من سمة الاختلاف سمة التدافع والصراع والتنافس بين الأشخاص والمجتمعات والثقافات والقيم المختلفة، والصدام بين بعضها والبعض الآخر، وفناء مجتمعات على يد أخرى تحلّ محلها: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾[5]، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾[6].
وهذا التدافع يُنشئ سمة أخرى هي سمة التغيّر، فالمجتمعات تتغيّر، والأيام تُتداول، والحكم ينتقل، فيوماً حكمت الإمبراطورية الفارسية، ويوماً آخر الحضارة الإسلامية (الخلافة، الأمويون، العباسيون، الدول المتتابعة، ومنها الخلافة العثمانية)، وفي يوم ظهر اليونان، وآخر الرومان، وثالث الحكم الكنسي، ورابع بريطانيا العظمى التي كانت لا تغيب عنها الشمس، ثم خذلتها الشمس وأسلمتها للمغيب!!، وخامس الاتحاد السوفيتي الذي مزقته عواصف التغيير كما تمزّق الرياح سحابة صيف هشة، واليوم تتربع على عرش القوة والجبروت الولايات المتحدة الأمريكية: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾[7]، ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[8].

التغيّر الاجتماعي: وقفة مفهومية
قبل أن نلج إلى ردهة البحث نريد أن نقف وقفة إجمالية عند مصطلح (التغيّر)؛ لنتعرّف على مدلوله اللغوي والاصطلاحي.
1- المدلول اللغوي:
ترد مادة (التغيّر) في المعاجم العربية بمعنى التحول والتبدل، والانتقال من حالة إلى حالة أخرى.
يقول ابن منظور [630 - 711هـ]، [1232 - 1311م]: «تغيّرَ الشيء عن حاله: تحوّل. وغيّره: حوله وبدّله، كأنّه جعله غير ما كان، وفي التنزيل العزيز: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[9]، قال ثعلب: معناه حتى يبدلوا ما أمرهم الله، ….، وغِيَر الدهر: أحواله المتغيّرة»[10].
ويقول الفيروزأبادي [729 - 817هـ]، [1329 - 1415م]: «تغيّر عن حاله: تحوّل. وغيّره: جعله غير ما كان، وحوّله وبدّله»[11].
فالتغيّر «يشير إلى الاختلاف الكمي أو الكيفي ما بين الحالة الجديدة والحالة القديمة، أو اختلاف الشيء عما كان عليه، في خلال فترة محددة من الزمن»[12].
أما (الاجتماعي) فهي نسبة إلى (الاجتماع)، أي الشيء المنتسب إلى المجتمع.
ومن ثمّ فـ(التغيّر الاجتماعي) هو التحول والتبدل المتصل بالمجتمع أو الحاصل فيه.
2- المدلول الاصطلاحي:
من الناحية الاصطلاحية هناك الكثير من التعريفات المقدمة على بساط البحث لمدلول (التغيّر الاجتماعي) (Social change)، نقتنص منها:
أ - هو «التغيّر الذي يحدث داخل المجتمع أو التحول الذي يطرأ على أيّ من جوانب المجتمع خلال فترة زمنية محددة»[13].
ب- هو «كلّ تحول يقع في التنظيم الاجتماعي، سواء في بنائه أو في وظائفه خلال فترة زمنية معيّنة، والتغيّر الاجتماعي على هذا النحو ينصبّ على كلّ تغيير يقع في التركيب السكاني للمجتمع، أو في بنائه الطبقي، أو نظمه الاجتماعية، أو في أنماط العلاقات الاجتماعية، أو في القيم والمعايير التي تؤثر في سلوك الأفراد والتي تحدد مكاناتهم وأدوارهم في مختلف التنظيمات الاجتماعية التي ينتمون إليها»[14].
ج- هو «كلّ تحول يطرأ على البناء الاجتماعي خلال فترة من الزمن، فيحدُث تغيّر في الوظائف والأدوار والقيم والأعراف وأنماط العلاقات السائدة في المجتمع»[15].
د - هو «كلّ ما يطرأ على المجتمع في سياق الزمن على الأدوار والمؤسسات والأنظمة التي تحتوي على البناء الاجتماعي من حيث النشأة والنمو والاندثار»[16].
هـ- «هو الانتقال من نظام اجتماعي إلى آخر»[17].
التغيّر الاجتماعي والمصطلحات الأخرى
من التعميمات السابقة الواردة في تعريف (التغيّر الاجتماعي) نصل إلى أنّه كلّ تحول في البناء الاجتماعي يحصل في فترة من الزمن، سواء أكان تحولاً كليًّا أم جزئيًّا، إيجابيًّا أم سلبيًّا، مقصوداً أم تلقائيًّا، مخططاً أم عشوائيًّا، سريعاً فجائيًّا أم بطيئاً تدريجيًّا، زيادة أم نقصاناً، ارتقاء أم انحداراً، علوًّا أم هبوطاً، تقدماً أم تأخراً..
وبعبارة مختصرة هو أيّ نحو من التحول يحصل في بناء المجتمع.
وهذا يعني أنّ (التغيّر الاجتماعي) مصطلح لا يمدّ الظلال ذاتها التي تمدها مصطلحات أخرى مثل: التقدم، التطور، التحديث، التحضر، النمو، التنمية، الثورة، الإصلاح، التخلف، التراجع، التردي.
1- التقدم الاجتماعي (Social Progress):
التقدم الاجتماعي هو تغيّر المجتمع من حالة إلى حالة أفضل سواء في الجوانب المادية أو المعنوية، ويشير إلى عملية مستمرة بمقتضاها ينتقل المجتمع الإنساني من حالة إلى حالة أفضل، أو يسير في اتجاه مرغوب[18].
«ويُعرّف بأنّه العملية التي تأخذ شكلاً محدداً واتجاهاً واحداً مستقيماً يتضمن توجيهاً واعيًّا مخططاً ومقصوداً لتوجيه عملية التغيّر نحو الأمام؛ بهدف تحقيق بعض الأهداف المرسومة والمنشودة المقبولة، أو الأهداف الموضوعية التي تنشد خيراً أو تنتهي إلى نفع»[19]، كما يشير إلى التحسّن الإيجابي المستمر الصاعد نحو الأمام، وينطوي على مراحل ارتقائية، أي أنّ كلّ مرحلة تالية أفضل من سابقتها من حيث الثقافة والقدرة الإنتاجية والسيطرة على الطبيعة، بينما (التغيّر الاجتماعي) قد يكون إيجابيًّا أو سلبيًّا، أي تقدماً وازدهاراً أو تخلفاً وتأخراً ونكوصاً[20].
2- التطور الاجتماعي (Social Evolution):
التطور يعني النمو والتقدم المتدرّج البطيء من الناحية الكمية أو الكيفية وفقاً لمراحل محددة ومتوقعة (دون طفرات)، ويؤدي إلى تحولات منتظمة ومتلاحقة ومترابطة، فهو «العملية التي بموجبها تحقق المجتمعات الإنسانية نمواً مستمراً مروراً بمراحل متلاحقة مترابطة»[21]، بينما التغيّر الاجتماعي قد يكون تدريجيًّا مرحليًّا بطيئاً هادئاً، وقد يكون ثوريًّا انقلابيًّا فجائيًّا طفريًّا سريعاً شاملاً عنيفاً، وقد يكون تغييراً مخططاً (بطيئاً أو سريعاً) أو تلقائيًّا، بحسب المنهج التغييري الذي يسير عليه ويتملاه.
و«إذا كان مفهوم التغيّر يشير إلى أيّ تحول أو تعديل يطرأ على أساليب الناس في التعامل وعلى المؤسسات الاجتماعية والبناء الاجتماعي، فإنّ مفهوم التطور يقوم على أساس العلاقة بين عامل الزمن وبين نشأة أنواع أو فصائل أكثر تركيباً وأشد تنوعاً أو اختلافاً، إنّ الأكثر تطوراً لابدّ أن يظهر متأخراً عن الأقل تطوراً نتيجة للتغيّرات التي تطرأ عليه»[22].
وهذا يعني أنّ التطور حالة من حالات التغيّر.

3- التحديث (Modernization):
التحديث هو «استبدال الأسلوب التقني التقليدي وما يرتبط به من أنماط تتصل بحياة الأشخاص أو الجماعات أو المجتمعات، وذلك بأسلوب أكثر حداثة ومعاصرة»[23]، بينما التغيّر أعم من ذلك، ويشمل الأخذ بالأسلوب التقني الحديث، أو العكوف على الأسلوب التقني القديم، أو النكوص إلى الأسلوب التقني القديم، فهو مفهوم عام يشمل التحديث والتقليد والتبعية وغير ذلك..[24].
4- التحضر (Urbanization):
يشير مفهوم التحضر «إلى عملية من عمليات التغيّر الاجتماعي، وهي انتقال الريفيين إلى المدن، واكتسابهم تدريجيًّا القيم الحضرية وما يرتبط بها من أنماط السلوك الحضري إلى أن تنتهي هذه العملية إلى ما يُسمّى بـ(التكيّف الاجتماعي)»[25].
ويشير مفهوم (الحضرية) «إلى اكتساب الناس -وخاصة في الريف- لأساليب الحضر دون الانتقال إلى المدن»[26]، أي التحول القيمي والثقافي دون التحول المكاني الجغرافي.
أما التغيّر الاجتماعي فهو يشمل انتقال الريفيين إلى المدن والعكس، واكتساب الناس لأساليب الحضر والعكس، «وهكذا، فالتحضر يصف جزءاً من عملية التغيير الاجتماعي»[27].
5- النمو الاجتماعي (Social Grouth):
يشير مفهوم (النمو) إلى الزيادة في جانب واحد من جوانب الحياة، ويتصف بالثبات المستمر نسبيًّا، ويكون بطيئاً وتدريجيًّا، ويشير إلى الجوانب الكمية، ويتعلق غالباً بالجانب المادي من المجتمع، ويسير في خط مستقيم نحو الأمام (الزيادة)، بحيث يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه، وهو إرادي[28].
بينما التغيّر يشمل البناء الاجتماعي والنظام والأدوار والقيم وقواعد الضبط الاجتماعي، وقد يتصف بالثبات النسبي أو العكس، وقد يكون فجائيًّا سريعاً أو تدريجيًّا بطيئاً، ويتعلق بالجوانب الكمية أو الكيفية أو كلتيهما، ويتصل بالجانب المادي أو المعنوي أو كليهما، ويشير إلى الجوانب الكمية أو الكيفية أو كلتيهما، ولا يكون سيره مستقيماً -بالضرورة-، فقد يكون تصاعديًّا إلى الأمام أو نكوصيًّا إلى الخلف، وقد يكون تلقائيًّا عفويًّا أو إراديًّا مخططاً[29].
فالنمو حالة من حالات التغيّر.
6- التنمية الاجتماعية (Development Social):
هي «الجهود المنظمة التي تُبذل وفق تخطيط مرسوم للتنسيق بين الإمكانات البشرية والمادية المتاحة في وسط اجتماعي معيّن؛ بقصد تحقيق مستويات أعلى للدخل القومي والدخول الفردية، ومستويات أعلى للمعيشة والحياة الاجتماعية في نواحيها المختلفة كالتعليم والصحة والأسرة والشباب، ومن ثمّ الوصول إلى تحقيق أعلى مستوى ممكن من الرفاهية الاجتماعية»[30]، أي «هي نوع من التغيّر المقصود أو المخطط له؛ بغرض الانتقال من حال غير مرغوبة إلى حال أفضل، فهي السير في اتجاه موجب ومرغوب، إذاً.. هي نوع من التغيير الناتج عن التحكم في عوامل التغيّر واتجاهاته، بينما التغيّر يعني الحال المتغيّرة التي تحدث بفعل عمليات مخططة، وفي اتجاه مرغوب وموجب أو العكس»[31].
وبذلك فالتنمية نوع من أنواع التغيّر يختصّ بالتغيّر المنظم المقصود والمخطط له، دون التغيّر العشوائي العبثي أو العفوي التلقائي..

7- الثورة الاجتماعية (Social Revolution):
الثورة هي: «التغيير المفاجئ السريع بعيد الأثر في الكيان الاجتماعي لتحطيم استمرار الأحوال القائمة في المجتمع، وذلك بإعادة تنظيم وبناء النظام الاجتماعي جذريًّا»[32].
أما التغيّر الاجتماعي فقد يأخذ بالمنهج المفاجئ أو التدريجي، وقد يكون جذريًّا أو ترميميًّا، ومن ثمّ فالثورة نوع من أنواع التغيّر الاجتماعي.
8- الإصلاح الاجتماعي (Social Reform):
وقد شاع في الأدبيات الحديثة تسمية التغيير الجزئي بـ(الإصلاح)، و(الإصلاح الاجتماعي)، و(العمل الإصلاحي)، و(العملية الإصلاحية)، وتسمية التغيير الكلي الشامل بـ (التغيير)، أو (التغيير الجذري) أو (التغيير الشمولي)، ومن ثمّ فالفرق بينهما يكمن في المساحة التي يحتلها فعل التحويل والتبديل (كلية/ جزئية)، وفي عمق عملية التحويل (جذرية/ ترميمية).
9- التخلف الاجتماعي (Retrogression (Social:
هو حركة المجتمع السلبية نحو الوراء، وسيره نحو الأسوأ، بينما التغيّر الاجتماعي قد يكون نحو الأسوأ، وقد يكون نحو الأفضل، ومن ثمّ فهو مفهوم أكثر شمولية وتعميماً، وبذلك يغدو التخلف نوعاً من أنواع التغيّر الاجتماعي.
10- التراجع الاجتماعي (Retardation (Social:
وهي عملية سير اجتماعي نحو الوراء، وتتضمن عملية الحركة القهقرية إلى صور نكوصية سابقة كان عليها المجتمع في زمن سابق، فهي عملية مقابلة للتقدم، وبذاك يكون التراجع -شأنه شأن التقدم- صورة من صور التغيّر الاجتماعي.
11- التردي الاجتماعي (Regression (Social:
وهي عملية هوي وسقوط وهبوط وانحدار من أعلى إلى أسفل، وهي تفترض كون المجتمع في صورة (أعلى)، ثم الانحدار والتدهور والانحطاط، ولا تعني كلمة (أعلى) بالضرورة كونه في مستوى إيجابي، وإنّما هي مقارنة ونسبة تحكي التفاضل بين مستويين، يشهد المجتمع في الصورة السابقة له مستوى أفضل مما يؤول إليه حاله، وقد تكون تلك الصورة السابقة (عالية فاضلة)، يتردى المجتمع بعدها إلى أسفل، أو تكون صورة (سافلة متردية)، ثم يتردى إلى ما هو أشدّ منها.
أما التغيّر الاجتماعي فقد يكون ترديًّا وانحداراً، وقد يكون تساميًّا وارتفاعاً، أي أنّه أعم من التردي.
وهكذا.. فكلّ واحد من هذه المصطلحات الأحد عشر يرسم حالة وشكلاً من أشكال التغيّر الاجتماعي، لكنّه ليس مصطلحاً عاماً شاملاً يساوق معنى (التغيّر الاجتماعي)، ويحكي سعته وشموله.

خصائص التغيّر الاجتماعي
ومما سبق نستطيع أن نتعرّف على أهم خصائص التغيّر الاجتماعي، ومنها:
1- ظاهرة عامة:
فالتغيّر الاجتماعي ظاهرة تحدث في قطاع عريض من أفراد المجتمع، ولدى فئات واسعة منه، وتتصف بالانتشار والتوسع، ولا تقتصر على حالات محدودة في بعض الأفراد أو الجماعات.
2- يصيب البناء الاجتماعي:
فهو تحول في بنية المجتمع، لا بنية فرد، ولا يُقال لتحول حصل لدى شخص أو أشخاص قلة أنّه تغيّر اجتماعي.
3- يقاس بفترة زمنية، حتى يمكن معرفته وتقويم آثاره:
فعنصر (الزمن) معيار هام في كشف ما يحصل في المجتمع، فقد نشهد مجتمعاً ما.. وهو مجتمع أمي، أو زراعي، أو تستفحل فيه ظاهرة القتل، أو لا يعرف (الإنترنت)، ونشهده في فترة زمنية أخرى متعلماً يتأبط أبناؤه شهاداتهم الجامعية، تسكنه الصناعة، وينشر عليه التسامح جناحه، وتستقر (الإنترنيت) في عمق تقاناته التواصلية والمعرفية.
4- الثبات النسبي (الديمومة والاستمرار):
أي أنّ التغير الحاصل فيه ليس مؤقتاً أو عرضيًّا أو سريع الزوال، وإنّما يستقر مدة من الزمن بحيث يبدو ذلك فيه ملمحاً بارزاً.
5- الإيجاب والسلب:
ومن خصائص التغيّر الاجتماعي أنّه قد يكون إيجابيًّا (تقدماً وازدهاراً)، وقد يكون سلبيًّا (نكوصاً وانحداراً)، ولا يختصّ التغيّر الاجتماعي بالإيجاب فقط، أو بالسلب فقط.
6- التلقائية والقصد:
فالتغيّر الاجتماعي قد يحدث بشكل تلقائي وعفوي، أو بشكل مقصود ومخطط.
التغيّر والتغيير
تشير الهيئة اللغوية (تغيّر) الواردة على وزن (تفعّل) إلى تبدل وتحول وتحرّك (وانتقال ذاتي)، فحين نقول: (التغيّر الاجتماعي)، فإنّ هذا المركب الوصفي يومئ إلى تحقق أمر حصولي قد يكون عفويًّا أو تلقائيًّا، بينما الهيئة اللغوية (تغيير) على وزن (تفعيل) تشير إلى صورة غيرية، فحين نقول: (التغيير الاجتماعي)، فإنّ هذا المركب الوصفي يتحدث عن أمر عملي تحصيلي، أي يستحضر في وعيه فعلاً يقوم به أحد أو جماعة لإحداث التبدل والتحول والنقل من حالة إلى حالة، فهو تبديل وتحويل وتحريك (ونقل غيري)، فهو عملية قصدية، وليست عملية عفوية أو تلقائية، ويظهر فيها طرفان أحدهما القائم بالفعل والتغيير (الفاعل، المغيِّر)، وثانيهما: الجهة التي تجري عليها عملية التغيير (المنفعل، المغيَّر).
ولعلّ هذا أهم المبررات لعنونة هذه الدراسة بـ(معوّقات التغيير الاجتماعي)، بدلاً من (معوّقات التغيّر الاجتماعي)؛ لأنّنا نريد أن نقول: إنّ المجتمع قد يشهد عملية تغيير قصدية تسعى لإحداث التبدل والتحول فيه، لكن تقف في سبيلها أحجار تصد تلك العملية، تمثل معوّقات لها.
مواقف الناس تجاه التغيير الاجتماعي
يمكن أن نصنّف مواقف الناس تجاه التغيير إلى ثلاثة:
1ـ الموقف المؤيد (الإيجابي):
وهو موقف يؤمن بالتغيير، ويتقبّله، ويدعمه، ويقوم بالإسهام الفعلي فيه، وتمثله المجتمعات التي تتقبل التغيير قيمةً وفكراً وثقافةً ومنهجاً وطريقةَ حياة، وتقوم بإحلال سبل التغيير فيها، وإعادة ترتيب أوراقها وفق الشكل المناسب للتغيير الجديد.
2ـ الموقف المعارض (السلبي):
وهو موقف يؤمن بعدم التغيير، أو لا يؤمن بالتغيير، ومن ثمّ يعارضه، ويواجهه، ويشحذ قواه للوقوف في وجهه، وإعاقة العملية التغييرية، أو إجهاضها أو قتلها. وتمثله المجتمعات التي تعادي التغيير سواء في الجانب القيمي، أو التقني، أو غير ذلك..
كما عارض البعض القطار في أول ابتكاره؛ مدعياً أنّه يفسد الطبيعة، وبسرعته يحرم الإنسان من فرصة التأمل فيها، والتفاعل مع جمالها الأخاذ.
3ـ الموقف اللامبالي (السكوني):
وهو موقف من لا يعنيه تحقيق التغيير ونجاحه، ولا بقاء الصورة المجتمعية المتحققة أو زوالها، ومن ثمّ يقف موقف المتفرج الذي يحمل شعار (الوقوف على التلّ أسلم!!).
وتمثله القطاعات الاجتماعية التي لا تحمل همّ المسؤولية والتغيير.
المواقف الثلاثة في القرآن الكريم
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾[33].
فقد طلب نبي الله موسى (عليه السلام) من بني إسرائيل تغيير وضعهم الذي يقتات الشتات والضياع في الأرض بالدخول إلى الأرض المقدسة، فانقسموا إلى ثلاث فئات تجسد المواقف الثلاثة تجاه التغيير:
1- فئة تريد تحقيق التغيير الاجتماعي لمجتمع بني إسرائيل، والانتقال به إلى مرحلة الاستقرار في الأرض المقدسة، وهذه الفئة يقودها النبي موسى (عليه السلام)، وأخوه هارون (عليه السلام)، ويشاركهما فيها رجلان واعيان لمستلزمات التغيير ومتطلباته، ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
2- وفئة تقف ضد التغيير، وتفضل العيش في الشتات على المواجهة المسلحة للقوم الجبارين، المواجهة التي قد تكلفها خوض غمار الحرب وتقديم القتلى، وتريد أكل ثمرات التغيير دون الإسهام في عمليته واجتراح مشاقها وآلامها ﴿وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
3- وفي الختام تحولت الفئة المعارضة للتغيير إلى فئة سكونية خاملة، يطيب لها مشاهدة المسرح دون السعي لتقديم أيّ فعل فيه، ومع أنّها تتوق إلى التغيير، لكنّها تكل عملية الحراك الاجتماعي إلى الغيب، بدلاً من الفعل البشري الشهودي ﴿قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
وإذا تحوّلت هذه المواقف الثلاثة إلى عمل، فإنّ الموقف الأول (المؤيد) سيأخذ بسبل الدعم لإحداث التغيير، بينما سيشرع الموقف الثاني (المعارض) إلى التسلح بسبل الصدّ والمواجهة والإعاقة (صنع المعوقات لعملية التغيير)؛ لإبقاء المتحقق المجتمعي، ووأد عملية التغيير، في حين سيكتفي الثالث (اللامبالي) بمشاهدة الأحداث والمجريات!!
وضمن وجهة النظر القرآنية فإنّ مآل هذه المواقف الثلاثة يصبّ في خندقين فحسب: إما الوقوف مع التغيير، وإما ضده؛ لأنّ الموقف السكوني يخذل عملية التغيير، ويصبّ في خدمة المعارض لها، ويترك (المؤيد) في حلبة الصراع مع (المعارض) دون أن يقدم له أيّ معونة، مكتفياً بالتفرّج على عملية المصارعة، وهذا يفسّر لنا النهاية الدقيقة التي خُتمت بها الآيات التي تكلمت عن قصة تحريم الصيد على بني إسرائيل في يوم السبت:
﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾[34].
ففي خاتمة المطاف هناك نهايتان فقط:
ألف- النجاة للذين ينهون.
بــاء- العذاب البئيس للذين ظلموا.
فأين توارى أصحاب الموقف الثالث (السكونيون) عن المسرح؟!
لا شكّ في أنّ هؤلاء انخرطوا نتيجة ضمن الذين صُب عليهم العذاب البئيس، أو ما هو أشدّ منه!!
ويفسّر انتهاء المواقف الثلاثة إلى موقفين حديث آخر عن تجربة أخرى في المسرح النبوي، حصلت هذه المرة في قوم شعيب (عليه السلام)، حيث «أوحى الله -عزّ وجلّ- إلى شعيب النبي (عليه السلام): إنّي معذب من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم!!، فقال (عليه السلام): يا ربّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟!، فأوحى الله -عزّ وجلّ-: إليه: داهنوا أهل المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي»[35].
معوّقات التغيير الاجتماعي

هناك معوقات كثيرة تقف في وجه حركة التغيير الاجتماعي، منها:
1- رفض قيم التغيير:
فالتغيير يحمل في طياته قيماً وأخلاقيات منها: تجاوز القديم المتحقق، والمجيء بالجديد.
وإلى جانب وجود أشخاص ومجتمعات يتقبلون عملية التغيير والحركة (المجتمعات الديناميكية)، وينزعون إلى الجديد، يقف أشخاص آخرون ومجتمعات أخرى ترغب في الثبات والاستقرار، وتخاف من الجديد، وتنزع إلى العكوف على القديم المألوف، وتقف في وجه التغيير وتحاربه، أو تقف في وجه المغيّر وتقاومه، وتلك طبيعة (المجتمعات الاستاتيكية).
والقاعدة العامة للسلوك الاجتماعي الذي واجه حركة التغيير التي قادها الأنبياء والمرسلون هي رفض التغيير ومواجهته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾[36].
وإلى جانب كونها القاعدة العامة، فقد انحلت إلى مصاديق تطبيقية كثيرة وتوالت ظهوراتها في حلقات التغيير النبوي، واقفة كسد منيع في سبيل التغيير الذي يستهدفه:
فقد رفض قوم نوح فكره التغيير، و﴿قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[37].
كما رفض قوم هود دعوته، وفضَّلوا أن يعضوا بنواجذهم على انتمائهم العقدي للمحافظة عليه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[38].
ومن لدن نوح أول الأنبياء إلى خاتمهم الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمر هذا السلوك الرافض للتغيير الاجتماعي -لاسيما في الصورة العقدية-، فتعود الكرّة من جديد في مجتمع قريش الذي تغطرس، ورفض الإسلام وكتابه المنزل، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾[39].
ويطلق البعض على البقاء على القيم القديمة ورفض الجديدة -ولو كانت سماوية أو متجانسة مع العقل والفطرة- اسم (الرجعية)؛ لأنّها دعوة للرجوع إلى الخلف، وعدم التطلع والإقدام إلى الأمام، والتهيّب من الخطو نحوه.
2- النمطية:
تمثل العادات الجارية والمستحكمة في المجتمع دور المألوف الاجتماعي الذي يرتكن إليه في مواجهة الجديد النابت، والتغيير المرتجى، فالفعل التكراري خلق له قبولاً عاماً في الذهنية الاجتماعية، وأمسى معهوداً غير مستنكر لديها، ومن ثمّ تتمسك كثير من المجتمعات بالفكر والفعل السائدين، وتتجمد عليهما؛ للحيلولة دون التغيير بالجديد، وتميل هذه المجتمعات إلى دفء المألوف.
وتزداد ضراوة هذه النمطية والجمود كلما استهدفت عملية التغيير الاجتماعي العادات التكرارية المتصلة بالوشائج القريبة التي تمثل شيئاً من الذات، فالآباء الذين يمثل الأبناء الامتداد النسبي والاجتماعي لهم تستطيل عاداتهم إلى أطواد شاهقة ينافح الأبناء دون اجتثاثها من المجتمع، فيما يخلق (الألفة الآبائية) لما كانوا عليه، والرفض لحركة التغيير التي تستهدف إبداله، وإحلال آخر مكانه.
وتتبدى هذه النمطية في صورتين بارزتين، هما:
ألف- نمطية الفكر (اتباع الفكر السائد):
وفي هذه الصورة يتم اعتناق الفكر المألوف السائد في المجتمع، ورفض الفكر الجديد ومفاهيمه ورؤاه، الأمر الذي حدا بمجتمعات الأنبياء أن تعانق مألوفها الفكري الذي استقرّ في العقلية العامة لها وفي عقلها العام ومخيالها الجمعي، ورفض الفكر الداعي إلى التجديد والتغيير، ولو كان آتياً من الله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾[40]، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾[41].
وبهذا تكون السلطة المعرفية والقيمية الراكزة في المجتمع ولدى الآباء هي المرجعية التي يتم الاحتكام لها لتقييم الجديد والحكم عليه: قبولاً أو رفضاً، وحيث إنّه جديد مخالف للنسق المألوف، فسيكون نصيبه الرفض، لا لشيء إلا لأنّه مختلف عن الفكر المرجعي.
بينما تسعى روح الرسالات السماوية إلى الاحتكام إلى الحقّ واتباعه ولو خالف المألوف الاجتماعي والأبوي (سلطة المجتمع والآباء): ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[42]، ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[43].
بــاء- نمطية الفعل (اتباع الفعل السائد):
وهنا يتم اعتناق الفعل المألوف السائد، ويتم تبني السلوك العملي المعهود في المجتمع.
وفي المشهد التاريخي كانت هذه النمطية في الفعل سلوكاً راسخاً في مجتمعات الأنبياء واجهت به مساعيهم التغييرية: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[44]، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾[45].
وحين جاء النبي إبراهيم (عليه السلام) بالحجج والبراهين الدامغة على بطلان عبادة الأصنام، لم يكن لسان الرد لديهم قادراً على المواجهة البرهانية، فكان المبرر المحرّك للرفض لديهم هو العكوف على الفعل الأبوي وتقديسه، وتقديمه على الحجة والبرهان والمنطق العلمي: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ